إسلاميَّة المبدع
الجزء ١ · صفحة ١٨٨صاحب ثقافة أصيلة لا دخيلة؛ لأنَّ الثَّقافة الأصيلة هي التي تمدُّ تجربته الشُّعوريَّة بالزَّاد الكافي والنَّبض القويِّ (1).
إنَّ ثقافة الأديب الإسلامي يكتسبها وفق منهج للتَّصوُّر، وهو المنهج الإلهي الخالد، والذي يحدِّد سماته محمد حسني بريغش من خلال تصوُّر واضح، يفسِّر فيه حقيقة الألوهيَّة، التي هي مصدر الخلق، ومصدر كلِّ شيء، وإليها يتوجَّه العبد بالعبوديَّة الكاملة.
الأديب المسلم يكابد التَّقرُّب إلى الله بالطَّاعة، يلتزم أمره ونهيه، ويصوغ فكره وهواه كما يحبُّ الله ويرضى، حتَّى يحسَّ بقرب الله وحفظه ورعايته له في كلِّ شأن (2)، كما يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» (3)، فيصبح الالتزام بالعقيدة الإسلاميَّة عملاً وقولاً، بل يتعدَّى هذا الالتزام إلى طريقة معالجته لقضايا أدبه. ويبدو هذا عند محمد ناصر في الالتزام بالرُّوح الإسلاميَّة، التي أظهرها طول حياته، وعلى مدى كلِّ كتبه أو أشعاره (4)، وحتَّى من خلال مواقفه النَّقديَّة، ومن أمثلة ذلك قوله عن الشِّيخ إبراهيم أطفيَّش: ومهما يكن فإنَّ القارئ يستطيع أن يدرك جانبًا من فكر أبي إسحاق الذي كان يهدف دوما إلى إبراز الإسلام في وجهه العلمي، بعيدا عن الطُّقوس المحنَّطة … (5).
إنَّه يمارس منهج النَّقد الإسلامي في مفهومه الواسع المتكامل، وبما يحمله من عوامل نفسيَّة وتاريخيَّة وفنِّيَّة. فالثَّقافة الأصيلة هي التَّمسُّك بالعقيدة كتابًا وسنَّة، مع المحافظة على التُّراث العربي الإسلامي، والاعتزاز به، والتَّمسُّك بالمجتمع الذي هو وسط الأديب وبيئته، التي يستمدُّ منها تجربته الشُّعوريَّة وتكوينه الثَّقافي الإسلامي الأصيل، منذ نعومة أظافره.
(1) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 17، 18.
(2) محمد حسني بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 118.
(3) أخرجه البخاري 11/ 340، من حديث أبي هريرة. عن محمد حسن بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 118.
(4) محمد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي: "حسَّان عمان"، ص 15 بتصرّف.
(5) محمد ناصر: "شخصيَّات جزائريَّة"، المجلد 2، عالم المعرفة، الجزائر، ط خ، 2013 م، ص 68.