الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

إسلاميَّة المبدع

الجزء ١ · صفحة ١٨٩

في مقابلتنا لمحمد ناصر، أكَّد لنا قوَّة ارتباطه بمجتمعه وبقضاياه ومشاغله وذلك في قوله: كان أستاذي الشِّيخ بيُّوض (1) يقول لنا دائمًا (ينبغي عليكم أن لا تنصرفوا عن مجتمعكم، فالانفصال انفصام، إنَّ الانفصال عن المجتمع هو انفصال عن القيم الرُّوحيَّة، وهكذا لم يبق شيء لكم). إنَّ هذا الارتباط والالتزام بالمجتمع جعل من أحد النُّقَّاد يصنِّفه ضمن النَّقد الإسلامي الواقعي، من خلال قصيدته في ساحة الأمير حيث يقول: فالقصيدة من الشِّعر الملتزم إزاء مبادئ الإسلام، والمبدأ هنا في هذا الموقف هو المحاولة الجادَّة لإحياء الأخلاق، وقيم الحضارة الإسلاميَّة النَّبيلة وتحقيق العدالة الاجتماعيَّة (2).

هذا من وجه الالتزام، أمَّا من ناحية انتماء محمد ناصر إلى الواقعيَّة الإسلاميَّة، فيعلِّل النَّاقد موقفه بقوله: الشَّاعر يعمل على تحقيق هدفه ومقاصده عن طريق شعري قصصي خاصٍّ، وهو البناء السَّببي، بحيث ترى الوقائع تتلاحق شيئًا فشيئًا، وتؤدِّي في كلِّ واقعة إلى نتيجة منطقيَّة، بالنِّسبة للأسباب التي تقدَّمتها إلى أن تنتهي إلى كارثة (3).

إنَّ التَّصوُّر الأدبي والنَّقدي عند محمد ناصر شامل، يشمل حياته كلّها بجميع دقائقها وتفصيلاتها، ويمكن إدراج أدبه ونقده في خانة الأدب الإسلامي والواقعي الملتزم، وذلك لأنَّ صاحبه لم يكن ينقل الوقائع نقلاً فوتوغرافيًّا، أو ينقد الأعمال من داخل نزعة ذاتيَّة، وإنَّما كان يترجم الواقع ويحيله إلى صور تمتدُّ أبعادها ومقاصدها من خلال تصوُّر إسلامي نقيٍّ، لتحقَّق أغراضا جماليَّة ومنفعيَّة وأخلاقيَّة، لأنَّها تنطلق من وظائف تنحدر من رؤية روحيَّة، تضفي على الشَّكل الفنِّي سحرًا جذَّابًا، يجتمع فيه الجلال والجمال (4).

هذه هي الرُّؤية الإسلاميَّة الحقَّة مع الالتزام بجماليَّة النَّصِّ الأدبي والابتعاد عن التَّقريريَّة والمباشرة. إنَّ أدب محمد ناصر كان من النَّوع الذي يتوجَّب طلبه أن يتجاوز المباشرة، إن على مستوى اعتماد اللُّغة كأداة، أو على مستوى تنفيذ الرُّؤية كمنظور، فباللَّمسة المعبِّرة بالإيمان

(1) الشِّيخ إبراهيم بن عمر بيوض (1899 - 1981 م)، أحد أعلام الفكر الإباضي في الجزائر.

(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظريَّة والتَّطبيق"، ص 425.

(3) المرجع نفسه.

(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر بين النَّظرية والتَّطبيق"، ص 427.