الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الأديب المسلم صاحب رسالة ومسؤولية

الجزء ١ · صفحة ١٩٥

إنَّ محمد مصايف يركِّز في رساليَّة الأدب على عامل العروبة أكثر من عامل الإسلام، كما أنَّ رفضه للأدب الجزائري المكتوب بالفرنسيَّة يجد نفسه ملتزمًا باللُّغة العربيَّة متعصِّبا لها، وهذا من حقِّه، والتَّحمُّس للعربيَّة صفة إيجابيَّة وطنيَّة، ولكن ليس معنى هذا أن نرفض الآخر الذي هو جزء من وطنيِّتنا ومجتمعنا الجزائري الإسلامي بكلِّ ما يضمُّه من فئات، كما أنَّه لن يتحقَّق الاندماج في الحضارة العالميَّة إلَّا إذا تقبَّلنا لغة الآخر وأفكاره، فاللُّغة الفرنسيَّة هي لغة كسائر اللُّغات العالميَّة، وليست بالضَّرورة هي الاستعمار، ومن هنا لا يمكننا إغفال مكانة الأدب الجزائري المكتوب باللُّغة الفرنسيَّة.

وعند الركيبي تظهر رساليَّة الأدب من خلال تطوُّر الإدراك لوظيفة الشِّعر (الأدب) خاصَّة الشِّعر الإصلاحي؛ لأنَّ رؤية الشَّاعر للدِّين قد تغيَّرت بعد تأسيس جمعيَّة العلماء المسلمين، فأصبح الدِّين دين عمل ونضال، لا دين خمول وجمود، وانسحب هذا المفهوم للدِّين على الشِّعر، فبات تعبيرًا لتجديد الفكر الدِّيني، أي أنَّ وظيفة الشِّعر تغيَّرت … أصبحت تعبيرا عمَّا في الدِّين من دعوة إلى العمل (1). وهكذا ظهر ما يعرف بالبعد الاجتماعي (2)، ومن هنا يحدِّد الركيبي وظيفة الشَّاعر بأنَّه شاعر الدين والمجتمع معا، هكذا تحوَّل الشِّعر الإصلاحي من شعر يتعلَّق بالدِّين من خلال التَّنويه بالقرآن وبصاحب الرِّسالة - صلى الله عليه وسلم -، إلى التَّعبير عن قضايا المجتمع الجزائري ومعاناته إبَّان الاحتلال وفق منهج إسلامي أصيل.

ومهما تعدَّدت الوظائف في الأدب وتغيَّرت النَّظرة الرِّساليَّة لأيِّ أديب حامل لرؤية ما فإنَّ وظيفة الأدب الأولى والرَّئيسيَّة هي أن يكون أمينًا لطبيعته (3).

ج- الرِّساليَّة عند محمد ناصر:

إنَّ الأدب عند محمد ناصر يرتكز بالدَّرجة الأولى على أعماق التَّجربة النَّفسيَّة والوحدانيَّة المنبثقة عن هذا التَّصوُّر الإسلامي للوجود والعالم، فكلُّ عنصر من عناصر الكون

(1) عبد الله الرَّكيبي: "الشِّعر الدِّيني الجزائري الحديث"، ص 631، 632.

(2) المرجع نفسه.

(3) رينيه ويلمك: "نظريَّة الأدب"، ترجمة د. محي الدِّين صبحي، أنظر محمد إقبال عروي، "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 120.