الأديب المسلم صاحب رسالة ومسؤولية
الجزء ١ · صفحة ١٩٦والحياة، وكلُّ قيمة من قيمها، تحرِّك الفنَّان المسلم سلبًا وإيجابًا، تهزُّه من الأعماق، وتدفعه إلى التَّعبير عن تجربته، إلى القيام بمحاولات فنِّيَّة - أدبيَّة - جادَّة، من أجل تعميق التَّجربة الشُّعوريَّة وإغنائها، وتفتح حسَّه الجمالي على عوالم أعمق وأبعد، لا تقف مشلولة أمام حدود الواقع الظَّاهر للعيان، ولا تعجز أمام إطارات القيم الملموسة والصِّلات البارزة، بل تحاول أن تذهب به إلى ما وراء ذلك، إلى دلالات الأشياء والقيم الظَّاهرة ذاتها، إلى العوالم المختلفة، تلك العوالم التي تشكِّل تجربة الأديب المسلم بكلِّ أبعادها وآفاقها (1).
لقد وصل محمد ناصر إلى هذه الأبعاد، وهو في تطلُّع دائم إلى هذه الآفاق، محاولا تبليغ رسالة الأديب المسلم من خلال رؤية إسلاميَّة واضحة، فهو يرى: إنَّ الكتابة تنفيس عمَّا في الذَّات، والأديب عند ما يكتب لابدَّ أن يتصوَّر أنَّ هناك أناسًا يستمعون إليه ويقرؤون له، حتَّى تكون هناك صلة بين الأديب والمتلقِّي، أنا أؤمن برسالة الأدب (2)، ويؤمن أنَّه لن تتحقَّق هذه الرِّساليَّة إلَّا إذا تحقَّق شرط الالتزام، ونلاحظ هذا في موقفه من الأديب أبو مسلم الرَّواحي إنَّه يتَّخذ الأدب وسيلة هادفة لتربية الفرد المسلم، لأنَّه يعتقد أنَّ الأدب رسالة توجيه وأمانة، وهذا الإحساس إنَّما يدفعه إليه شعوره الإسلامي العميق (3).
لا يختلف محمد ناصر عن هذا الشَّاعر العماني كثيرا في هذا الطَّرح، إنَّه يرى في الأدب رسالة بكلِّ ما يحمله من قيم فنِّيَّة أو أخلاقيَّة تربويَّة، ودينيَّة إسلاميَّة.
وتتجلَّى رساليَّة الأدب عند محمد ناصر من خلال:
1. الرِّسالة العقديَّة:
ويتمثَّل ذلك من خلال الدِّفاع عن العقيدة الإسلاميَّة والسَّعي إلى ترسيخها في نفوس القرَّاء، وعيا منه أنَّ الأديب الإسلامي ليس منغلقًا في قمقم من التُّراث والتَّاريخ القديم، إنَّ رسالته في الحياة لا تستقيم ولا تتمُّ على وجهها الصَّحيح إلَّا إذا عايش عصره (4)، وسخَّر دينه
(1) نجيب الكيلاني: "في النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 44 بتصرُّف.
(2) في مقابلتنا للأديب تحدّث عن رساليّة الأدب الإسلامي من خلال شرح مطوّل.
(3) محمد ناصر: "أبو مسلم الرَّواحي" حسّان عمان "، سلطنة عمان، ط 1، 1996 م، ص 15.
(4) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 22.