الأديب المسلم صاحب رسالة ومسؤولية
الجزء ١ · صفحة ١٩٨والأوثان، أم بطريقة المحدثين الذين هبُّوا إلى ربط الأسباب بالفراغ أحيانا، وبالمادة وحدها أحيانا أخرى (1)، وحينما تتحدَّد هذه الحاجة يمكن أن تؤدِّي رسالتها بقوَّة، لأنَّها ستربط الإنسان بعقيدته ليسمو ويعلو ضمن قيمها ومبادئها، ومن هنا يحقِّق الأدب الإسلامي غايته، فالقصيدة أو القصَّة أو المقالة أو الرِّواية أو المسرحيَّة، إذا ما أتيح لها أن تمارس نقدًا جماليًّا مؤثرًا للمعطيات والمذاهب الوضعيَّة، التي تسعى لاستعباد النَّاس للآلهة وللأرباب والوضَّاعين من دون الله، وإذا ما أتيح لهذه الأعمال أن تهدم هدما جماليًّا مؤثرًا تلك المعطيات، فإنَّها ستكسب المعركة لصالح الإسلام (2). المعركة التي بدأها الأديب المسلم منذ مجيء الإسلام إلى يومنا هذا.
يقول محمد ناصر في هذا الطَّرح: … وقد ظلَّت هذه المكانة للشُّعراء (3) في ظلِّ الإسلام، واستمرَّ هذا المفهوم الجمعي يتغذَّى من تعاليم الدِّين الجديد، ويتغنَّى بقيم حضاريَّة جديدة، حتَّى انغمست الأمَّة الإسلاميَّة في التَّرف، وتميَّعت أخلاقها في ظلِّ ما داخلها من مجون وانحلال وشاعت النَّزعة الماديَّة، وتغلَّبت النَّظرة الآنية، وتسلَّطت الأهواء والأنانية، أخذ الأدباء يبتعدون عن ذلك المفهوم الجماعي النَّيِّر شيئًا فشيئًا، وقبعوا في زوايا الحانات والأديرة، يجترُّون أحلامهم، ويناجون كؤوسهم، وتعمَّقت هذه النَّظرة في أعقاب ماران على المجتمعات الإسلاميَّة من تغريب وتدجين، وما داخلها من فلسفات عقيمة، جاءنا بها الغرب الصَّليبي، إلى أن أصبحت اتِّجاهًا معروفًا، وتيَّارًا مدروسًا، وباتت في عصرنا هذا من سمات ما يطلق عليه اليوم أدب الحداثة (4).
إنَّ القارئ لأدب محمد ناصر ونقده يمكنه أن يلاحظ التَّصوُّر الإسلامي الصَّحيح للكون والحياة، فرسالة الأدب تكمن في توصيل رؤية الإسلام للكون والحياة والعالم والإنسان، لا كمفاهيم تجريديَّة، وأفكار صارمة، ومقولات قاطعة كالسِّكين، ولكن بالصُّورة المشخَّصة
(1) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 450.
(2) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 175.
(3) كان الشَّاعر في المجتمع العربي القديم صاحب رسالة وريادة، ينافح عن القبيلة ويدافع عنها، ويعلي من مفاخرها، ويعلن انتصاراتها، هو الذي يسجِّل بشعره ديوان العرب.
(4) محمَّد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 22.