الأديب المسلم صاحب رسالة ومسؤولية
الجزء ١ · صفحة ١٩٩والتَّجربة المعيشة والخبرة التي يجري الدُّم في خلاياها وشرايينها (1)، وهكذا يبعث فيها الحياة ويجعلها تتفاعل، تضحك وتبكي، تفرح وتحزن، وتتوحَّد وتتمزَّق، وتشرق وتغيب، تظهر وتختفي، تحيا وتموت، إنَّه من خلال التَّجربة الحيويَّة، لا مقولات الفقه واستنباطاته … وبواسطتها يخرج بهم من الطُّرق الملتوية إلى الصِّراط المستقيم، يتمُّ ذلك من خلال التَّجربة الحيويَّة، وهي تتمخَّض وتضطرب وتفور (2).
وقد ضرب محمد ناصر مثالا في ذلك، يتحدَّث بلسان المسلم الذي ارتقى به الإسلام والقرآن عن الانحطاط - للخصم - الذي ملأ خمسين صفحة سبًّا وشتمًا وتهديدًا ووعيدًا (3)، لأنَّ الله كلَّفه بأسمى مهمَّة في الحياة وهي تبليغ ذكر الله وتكوين النَّشء المسلم:
يَجْرِي الغَدِير لِينْعِشَ الصحْرَاءَ لاَ … يثنِيه إنْ كَان المَصبُّ جَلامِدا (4)
هَدِّدْ (بِنَجْمِكَ) إنّ لِي بِالحَق شَمْـ … سًا تَمْلأ الآفَاقَ نورا سَائِدا
عِشْرُونَ ذِئْبا، هَلْ تُخِيفُ الليْثَ إِن … حَمِي الوَطيس صَلابَة وَشَدَائدا
وأَثِره نزَاعَاتِ العَشَائِرِ إن لِي … في محْكَم التنْزيل نَهْجا قَاصدا
إنّ الكرِيمَ هُوَ التَّقِي وَليْسَ فِي … زيْفِ الْمنَاصب والْمَرَاتب رَائدا
شمْس إِمامِ المصْلِحِينَ يَشع رَغْـ … م الليْلِ وَالأنْوَارِ ضوْءًا رَاشدا
مَا ضره إِفْك الطغَاةِ، وربُّه … أَعْطَاه بِالقرْآنِ ذِكْرا خَالِدا
مَا بِالبِطَاقَاتِ افتَخَرْنَا، فَخْرُنَا … عَالِي الْبنَاءِ مدَارسا ومَسَاجدا
للنشْءِ يَنْشَأ أحْمَديًا يَقْتفِي … نَهْجَ المحَجة جَابريًّا (5) صَامدا (6)
(1) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 451.
(2) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 174.
(3) ذكر الشَّاعر أنه كتب هذه القصيدة "مهداة إلى من ملأ خمسين صفحة سبًّا وشتمًا وتهديدًا ووعيدًا".
(4) الجلامد: الصُّخور.
(5) جابريًا: جابر بن زيد إمام الإباضيّة.
(6) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 428، 429.