باب
الجزء ١ · صفحة ٢٢وحدثني الرياشي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قيل لشيخ قد بلغ ثلاثين ومائتي سنة: كيف رأيت عيشك؟ قال: عشت مائة سنة لا أصدّع، وأصابني في الثلاثين والمائة ما يصيب الناس.
وحدثني الرياشي قال: سمعت الأصمعي يقول قال أبو عمرو: عاش المستوغِر ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تيم عشرين وثلاثمائة سنة. وزعموا أن سعداً تناسلت في شيبه. وسمعت ابن العجاج قال: مرّ المستوغر بنُ ربيعة يقود ابنَ ابنه بعكاظ، فقيل: من ذا؟ قال: ابن ابني، قالوا: وما رأينا كاليوم في الكذب مثلَك قط، لو كنت المستوغر ما زاد، قال: فأنا المستوغر. وفي حديث آخر: فلما رأوه يقوده ظنوا أنه أبوه فقالوا: ارفق به فطالما رَفُق بك، فقال: إنه ابن ابني.
ويروى من غير وجه أن معاوية قال لجلسائه: أشتهي أن أرى رجلاً قد لقي الناس، وسمع الأعاجيب، ورأى من كان قبلنا يحدثنا عن زمانه، وأين زماننا مما مر عليه. فقيل له: ذاك رجلٌ بحضرموت، فأُتي به، فأقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد، قال: ابنُ من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السن؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة، قال: كذبت، وتشاغل عنه بغيره. ثم أقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد، قال: ابنُ من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة، قال: فحدثنا عما رأيت من الأزمنة؛ أين زماننا منها؟ قال: وكيف تسأل رجلاً يكذب؟ قال: أحببت أن أعرف مقدار عقلك، قال: يومٌ شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، ولدٌ مولود، ووالدٌ مفقود، فلولا من يولد لم يبق على ظهرها أحد، ولولا من يموت لم يسعهم بلد، قال: ما كانت صناعتك؟ قال: كنت تاجراً. قال: فما بلغتَ في تجارتك؟ قال: كنت لا أشتري غَبَناً، ولا أرد ريحاً، قال: سلني حاجتك، قال: أسألك أن تدخلني الجنة، قال: ليس ذلك إلي، قال: فأسألك أن ترد إلي شبابي، قال: ولا ذاك إلي. قال: فلستُ أرى بيدك شيئاً من أمور الدنيا والآخرة، قال: هو والله ذاك، قال: فارددني من حيث جئت، ففعل به ذلك.
ويروى أنه مكتوب في الحكمة: من بلغ السبعين اشتكى من غير علة. وأُنشدت عن الزبير:
أرجِّي شباباً بعد تسعين حِجّةً … لِهَنِّيَ لا في مطمع لطموع
وقال آخر:
هزئتْ أسماءُ مني وقالت … أنت يا بن الموصليّ كبيرُ
ورأت شيباً علاني فصدّت … وابن ستين بشيب جدير
وقال أحد المحسنين، وهو النمر بن تولب:
كانت قناتي لا تلين لغامز … فألانها الإصباحُ والإمساءُ
ودعوتُ ربي بالسلامة جاهداً … ليُصِحَّني فإذا السلامة داءُ
وقال بعض الأعراب:
وللكبير رَثَيَاتٌ أربعُ … الرُّكبتان والنَّسا والأخدعُ
ولا يزال رأسه يَصَّدّع … وكل شيء بعد ذاك يَيْجَعُ
وقال الهيثم بن عدي: لقي رجل الهيثمَ بنَ الأسود فقال له: كيف تجدك يا أبا العُريان؟ قال: أجدني صالحا، وأصبحت على ذاك قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسودّ مني ما أحب أن يبيضّ، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد، ثم قال:
إني سأُنيبك بآيات الكِبَرْ … تقارُبِ المشي وضعفٍ في البصرْ
وقلةِ النوم إذا الليل اعتكرْ … وقلةِ الطُّعْم إذا الزاد حضرْ
وتركيَ الحسناء في قُبْل الطُّهُر … وكثرة النسيان فيما يُدّكرْ
والناس يَبْلَوْن كما يَبلى الشجرْ … فهذه أعلامُ آيات الكِبَرْ
وقال أعرابي:
لا بارك الله على وجه الكِبَرْ … فإنه يأمر للمرء بشرّْ
وخُبث ريح وبياض في الشعَرْ
وقال آخر:
إني وإنْ أفنى الزمان نَحْضي … وأسرعتْ أيامُه في نَقضي
بمنحِفات وأمور تمضي … حتى حنتْ طولي وضمّت عَرْضي
وابتزّني بعضي وأبقى بعضي … وقَصُرت رجلاي دون الأرض
وهمّ أهلُ ثقتي برفضي … ينفع حُبّي ويضُرُّ بغضي
وقال آخر:
قد صرت يا عمرو كأني نِقْصُ … تَسَوَّر الشيبُ وخفّ النَّحْضُ
وصار قُدّامَ قيامي نهضُ … وصار لا يحمل بعضي بعضُ
يقول: تسوّر الشيب وأنا غافل، أي كما يفعل اللص، أي تقحم. وقوله: قدّام قيامي نهض. يقول: إذا أردت أن أقوم نؤتُ أولاً ثم استقللت، أي صرت كبيراً لا أستقل بنهضتين ولا ثلاث.