باب
الجزء ١ · صفحة ٢٣وحدثني التوزي قال: رأى رجلٌ من العرب بنيه يركبون الخيل باقتدار، فأعجبه ذلك منهم، فحاول مثلَ ذلك مرة أو مرتين، فأعجزه الوثوب، فقال: من سرّه بنوه ساءته نفسه. وقال بعضهم:
يموت مني كلَّ يوم شيُّ … وأنا في ذاك صحيحٌ حيُّ
وكم عسى ما قد يدوم الفَيُّ … وآخر الداء العَياء الكَيُّ
وحدثني الرياشي - ولا أحفظ عمن حدثنيه - قال: دخل أبو الأسود الدِّئليّ على عبيد الله بن زياد فقال يهزأ به: يا أبا الأسود، لو علّقت عليك تميمة! فإنك جميل الوجه، فقال أبو الأسود:
أفنى الشبابَ الذي أفنيتُ جدَّتَه … مرُّ الجديدين من آت ومنطلقِ
لم يتركا ليَ في طول اختلافهما … شيئاً يُخاف عليه لذعةُ الحَدَقِ
وأنشد:
من يشتري شيخَين مني بفتى … إن الشيوخَ فيهمُ كلّ أذى
قال أبو العباس: كانت العرب تذكر الشيب في أشعارها إمّا مدحاً وإما ذمّاً، وشعرهم في ذمه أكثر منه في مدحه. ويروى أنه قيل: ما بالُ شِعركم في الشيب أحسن أشعاركم في سائر أقوالكم؟ قالوا: لأنا نقوله وقلوبنا قَرِحة.
وقال يونس النحوي: ما بكت العربُ على شيء بكاءها على الشباب، وما بلغت كُنْهَ ما يستحق، ويروى أن بعضهم رأى يوماً شيبة في رأسه فقال: شر بديل وخير مبدول. وقال ابن قيس الرُّقَيّات:
رأت بي شيبة في الرأ … س مني ما أُغَيِّبُها
فقالت: أينُ قيس ذا؟ … وبعض الشيب يعجبها
أي تتعجب منه، ليس أنها معجبة به. وأنشدني أبو العالية:
يا ربّ بيضاء على مُهَشِّمَهْ … أعجبها أكلُ البعير اليَنَمَهْ
بيضاء: امرأة. ومُهشّمة: موضع، أعجبها أي تعجبت منه، كما قال الجعدي يصف ثوراً:
فأراه صورة تُعجبُه
وقال النمر بن تولب:
لعمري لقد أنكرتُ نفسي ورابني … خلائقُ منها لم تكن من شمائلي
مطاوعتي من كنتُ لستُ أطيعه … وأني أرى بثّي عن اللهو شاغلي
وبُدِّل رأسي الشيبَ بعد سواده … فأصبحت ذا شُغْل وأقصر باطلي
وأصبحت قد أعرضن عني وسؤنني … وأخلفنني عهد الخليل المماطل
ألا إن شيب الرأس ليس بآفة … تَضيرك إلا في النساء الجواهل
وحدثني الرياشي قال: تزوج عبدُ الله بن عامر بأم كلثوم بنت معاوية، فنظر إلى وجهه في المرآة مع وجهها فرأى شيبة في لحيته، فقال لها: أيتها المرأة، الحقي بأهلك، فلما جاءت إلى أبيها قال لها: لعلكِ أسأتِ عِشرة زوجك، قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أدري لم طلقني؟ فوجه إليه معاوية فأحضره: فقال: ما أنكرت من أهلك؟ قال: لا شيء والله يا أمير المؤمنين، إلا أني نظرت إلى وجهي ووجهها في المرآة، فرأيتُ شيئاً قد ظهر بي، فكرهتُ أن يفسُد شبابُها معي، فطلقتها لتتمتّع بالأزواج.
وقال جرير في كلمة له:
يا قلّ خيرُ الغواني كيف رُعن به … فشربه وَشَل فيهنّ تصريدُ
أعرضن من شَمَط في الرأس مشتعل … فهُنّ عني إذ أبصرنني حِيدُ
قد كنّ يعهدْن مني مَضْحَكاً حسناً … ومَفرِقاً حسَرت عنه العناقيدُ
فهنّ ينشُدن مني بعضَ معرفة … وهن بالوُدِّ لا بخلٌ ولا جودُ
قد كان عهدي حديثاً فاستُبدّ به … والعهدُ مُتَّبع ما فيه منشودُ
فقلن لا أنتَ بعلٌ يستقاد له … ولا الشباب الذي قد فات مردودُ
كأنما باتت الصِّردان تَنْتِفه … حتى تطاير عنه طيره السودُ
هل الشباب الذي قد فات مردود … أم هل دواء يردّ الشيبَ موجودُ
لن يرجع الشيبُ شُبّاناً ولن يجدوا … عِدْلَ الشباب لهم ما أورق العودُ
إن الشباب لمحمود بَشاشته … والشيب مُنصرَف عنه ومصدودُ
وأنشدني مسعود بن بشر:
قعد الشيبُ بي عن اللذاتِ … ورماني بجفوة القَيْناتِ
فإذا رمتُ ستره بخصاب … فضحتْه طلائعُ الناصلاتِ
ما رأيتُ الشباب إلا سرابا … غرّني لمعُه بأرض فلاةِ
فإذا ما دعاك للكأسِ داعٍ … قيل ما للكبير والنّشَواتِ
لستُ بعد الشباب ألتذّ بالعي … شِ فدَعْني بغُصّةِ العَبَراتِ
إن فقدَ الشباب أنزلني بع … دكَ دار الهموم والحسراتِ
ورماني بحادث الدهر شيبٌ … قارعَتْني أيامُه عن حياتي