الفاضل محمد بن يزيد المبرد

باب

الجزء ١ · صفحة ٢١

وقلتُ لعبدِ الله إذ جدّ باكيا … حزيناً وماءُ العين منحدر يجري

لَعمري لئن أتْبَعتَ عينيك ما مضى … به الدهرُ أو ساق الحِمامُ إلى القبرِ

لتستنفِدَنْ ماء الشؤون بأسره … ولو كنتَ تمْرِيهنّ من ثَبَجِ البحر

تأمَّل فإن كان البكا ردّ هالكا … على أحد فاجهدْ بكاءً على عمرو

ولا تبك مَيْتاً بعد ميت أجَنَّه … عليّ وعباسٌ وآل أبي بكر

وكان بُسْر قتل خَلقاً باليمن - يقول بعضهم - حتى أخاض الخيل في الدماء. وكان فيمن قُتل طفلان لعبيد الله بن العباس أخذهما من المكتب، فروى أنه قتلهما وهما يقولان: يا عم لا نعود. وأما الرواية الفاشِيَة التي كأنها إجماع فإنه أخذهما من تحت ذيل أمهما - وهي امرأة من بني الحارث بن كعب - ففي ذلك تقول لما خرج بهما من عندها:

ألا من بيّن الأخَوي … نَ أمُّهما هي الثَّكلى

تسائل من رأى ابنَيْها … وتستَبغي فما تُبْغى

وقالت أيضاً:

يا من أحسَّ بُنَيّيَّ اللذين هما … كالدرتين تشظّى عنهما الصدف

يا من أحس بُنَيَّيَّ اللذين هما … قلبي وطرفي فقلبي اليوم مُختَطَفُ

يا من أحس بُنَيَّيَّ اللذين هما … مُخُّ العظام فمُخِّي اليوم مُزْدَهَفُ

نُبّئتُ بُسْراً وما صدّقت ما ذكروا … من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا

أنحى على وَدَجَيْ شِبْليَّ مُرهفةً … من الشِّفار، كذلك البغي يُقترفُ

ويروى أن عمر بن الخطاب عزّى أبا بكر رحمة الله عليهما عن طفل له فقال: عوضك الله منه ما عُوّضَه منك، فإن الطفل يعوَّض من أبويه الجنة. وقال رسول الله صلى الله عليه: " إن الطفل لا يزال مُحْبَنْطِئاً على باب الجنة يقول: لا أدخل الجنة حتى يدخل أبواي " .

وقال العتبي يرثي بنيه - وكانوا ستة توالَوا موتاً:

يا ستّةً أودعتُهم حُفَرَ البِلى … لخدودهم عفْرُ الجَبوبِ وسادُ

منعوا جفوني أن يصافحَ بعضُها … بعضاً فهنّ وإن قرُبْنَ بِعادُ

لم تبقَ عينٌ أسعدت ذا عَبرة … إلا بكت حتى أبكي بكى الحسّاد

وله أيضاً فيهم:

وكنت أبا ستة كالبدو … رِ فقد فَقَئوا أعين الحاسدينا

فمروا على حادثات المنون … كمرّ الدراهم بالناقدينا

فألقين هذا إلى ضارح … وألقين هذا إلى لاحِدينا

فما زال ذلك دأبَ الزما … ن حتى أبادهمُ أجمعينا

وحتى بكى لي حُسّادُهم … وقد اتعبوا بالدموعِ العيونا

وحسبك من حادث بامرئ … ترى حاسديه له راحمينا

فمن كان يُسْلِيه مَرّ السنين … فحزني يجدده لي السِّنونا

وقال مسلم بن الوليد يرثي أخاه في كلمة له:

وإني وإسماعيل يوم فراقه … لكالغِمدِ يوم الروع فارقه النصلُ

فإن آتِ قوماً بعده أو أزرْهم … فكالوحشِ يدنيها من القَنَص المَحْلُ

قال أبو العباس: قصدنا فيما نحكيه في كتابنا هذا حُسن الاختيار وكثرة الاختصار، وذكر ما يُستغنى به عن غيره، ويُقنع بمثله عن نظيره، وإنما نذكر في كل باب أحسن ما روي لنا فيه، وأطرف ما نمى إلينا منه. ولو ذهبنا نستقصي آخر هذا الباب لمد بنا الحديث وطال بنا القول. والحمد لله رب العالمين.

باب

نذكره ونشرح فيه بعض أخبار المعمّرين وأشعار العرب المحدَثين في ذم الشيب وفقد الشباب، ومدح من مدح شيبه وذم من ذمه، ووصف إسراعه إليه وتغييره إياه على كثرة ذلك وتفاوته، ونفضل ما نحكيه من ذلك، ولِمَ اخترنا ما اخترناه. وبالله الحول والقوة.

حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: كان ربيعة بن نزار يحمل أخاه مضر على عنقه ويقول: اللهم بلّغ به، وكان أكبر منه بنحو من خمسين سنة.

وحدثني الرياشي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قيل لشيخ قد ذهب منه المأكل والمشرب والنكاح: هل تشتهي أن تموت؟ قال: لا، فقيل له: فما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أعيش وأسمع الأعاجيب.

وأنشدني الرياشي لعلي بن الغَدير الغنوي:

وهُلك الفتى ألا يراح إلى الندى … وألا يرى شيئاً عجيباً فيَعجَبا

٢١ / ٣٨