الفصل الثالث: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، الإمام الثاني للجماعة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١١٠II - وفي حالة مماثلة اتخذ أبو عبيدة موقفا مغايرا . يقال إنه هاجم رجلا إباضيا زوج ابنته من مسلم غير إباضي وأبدى استياء شديدا . ويذكر تلميذه أبو المؤرخ : (( وكره أبو عبيدة نكاح المنافق المسلمة ، وهو ممن أحل الله نكاحه من المسلمات ، كما كره عمر نكاح من أحل الله نكاحه من المشركات ، وكره الأخذ بالرخصة في ذلك مخافة الفتنة لهن ، والردة عن بصيرتهن من غير أن يكون ذلك حراما )) ( 22 ) . والظاهر أن أبا عبيدة أخذ هذا الموقف الحازم لعزل الإباضيين عن الفئات الأخرى من المسلمين بحيث لا يتأثرون بالآراء المختلفة الناشئة آنذاك . ولعل هنالك سببا آخر هو أن أبا عبيدة أراد في تصميمه على إقامة الإمامة الإباضية أن يضمن سلامة مخططاته وحركته بحيث لا يستطيع أي غريب أن يؤثر فيها . فقد كان نظام الولاية والبراءة آنذاك ذا أهمية كبيرة من هذه الناحية ( 23 ) .
وقد غطت نشاطات أبي عبيدة اتجاهين أساسيين :
أ - العناية بتنظيم الفرقة الإباضية .
ب - تعليم العقيدة الإباضية للطلبة الذين يتلقون العلم .
وفي مؤسسته السرية هذه التي لم يكن أكثر من سرداب عميق في مكان ما في البصرة ( 24 ) ، علم الرجال الذين لعبوا الدور الأهم في تطوير العقيدة الإباضية وفي نجاحها السياسي .
وقد ظلت البصرة مركز الحركة الإباضية حتى نهاية القرن الثاني لأسباب مختلفة .
أ - فزعماء الحركة الدينيون كانوا يعيشون في البصرة ويقومون بنشاطاتهم التعليمية كلها هناك .
ب - وفي البصرة نالت الحركة الدعم الكامل من العدد الكبير من أقارب جابر من الأزد ، ومن عائلة آل المهلب البارزة .
ج - وكانت البصرة إحدى عواصم الإسلام الفكرية تشكل ، إلى جانب الكوفة ، مركزا ثقافيا للدراسات الإسلامية والعربية .
د - وأخيرا ، تقع البصرة في قلب بلدان آسيا الإسلامية مما سهل الاتصالات بين مركز الحركة في البصرة والفروع الأخرى في خراسان ، وعمان ، واليمن ، ومكة .