الفصل الثالث: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، الإمام الثاني للجماعة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١١٥3- والنوع الثالث من المجالس هو تلك التي كانت تعقد للطلبة العاديين الذين كانوا يريدون دراسة العقيدة الإباضية ، أو التدرب على بث الدعوة . ويقال إن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة ألف تعليم طلابه في سرب سري ؛ وكان يقف حارس على المدخل لتحذيرهم إذا شاهد غريبا يأتي ،بتحريك سلسلة حديدية كي يتوقف أبو عبيدة عن خطبته ويواصل عمله صنع القفاف ، وهي العملية التي كان يتستر بها ، ومنها نال لقب القفاف ، أي صانع السلال ( 38 ) . ويؤذن فقط لأعضاء الحركة بالانضمام إلى هذه المجالس ، إلا أنهم كانوا يطردون منها إذا ما أبدوا أي انحراف ( 39 ) . وخلال زمن جابر وأبي عبيدة كان الأفراد شديدي الحذر في نشاطاتهم ؛ وفي بعض المناسبات كانوا يحضرون هذا الاجتماعات مرتدين ملابس نسائية ، أو متخفين كتجار وعمال بحيث لا ينتبه إليهم أحد من الخصوم ( 40 ) . وفي عهد زياد وابنه ، كانت المساكن التي تستخدم للمجالس تقتحم في مناسبات عديدة وكان الأفراد يعتقلون . على أن نشاطات الإباضيين كانت برغم هذه المصاعب كلها ، تجري في هذه المجالس بالدرجة الأولى . ( 41 ) .
ويبدو أن فكرة المجالس نقلها الطلاب الإباضيون من البصرة إلى شمالي إفريقية . ويروي أن أبا خليل الدركلي ، أول من أخذ عن (( حملة العلم )) قال لطلابه : (( سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى فإن رجلا قد سار من الجبل إلى فزان وإلى غدامس وإلى الساحل رغبة في الحلقة )) ( 42 ) ، ويقال إنه كان بذلك يقصد نفسه . على أن هذه المجالس نشأت خلال مرحلة الكتمان لضمان سلامة الإباضيين ، ثم أصبحت بعد ذلك إحدى الضرورات الأساسية للجماعة الإباضية أثناء فترة الكتمان .