الفصل الثالث: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، الإمام الثاني للجماعة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١١٦ويمكن القول إن الحركة الإباضية بقيادة أبي عبيدة مسلم كانت حركة دينية وفكرية ، وإن نشاطاتها في البصرة كانت ثقافية بالدرجة الأولى . وكان نهج أبي عبيدة أن يثقف الأعضاء وأن يعلمهم العقيدة الإباضية ، وأن يكون له العدد الأكبر الممكن من مختلف أقاليم البلدان الإسلامية ، لكي ينشيء إمامة عالمية شاملة كل العالم الإسلامي ( 43 ) . ولكي يقوم بنشاطاته في البصرة ، فقد انقطع أبو عبيدة كليا عن الحكام ( الولاة ) ليبقى سليما ، وكانت سياسته في هذه الناحية مناقضة لسياسة سلفه جابر بن زيد . ولقد أوصى أتباعه بأن لا تكون لهم أية علاقة مع الحكام . وقد روى عبد الله بن عبد العزيز ، أحد طلاب أبي عبيدة ، أن أحد العمال ( الحكام ) قال لعضو إباضي : (( دعني أسجل اسمك في الديوان ، واقتسم معك مرتبك . شقيقي سيكفيك مشكلة البيعة ، وأنت تأخذ المال للحال )) هنا قال عبد الله : ذهبت إلى أبي عبيدة أسأله عن رأيه بهذا العرض ، فقال : لا تذهب إليهم ، ولا تكن قريبا منهم ، لا خير لك ف يذلك )) ( 44 ) . وهنالك رواية أخرى مشابهة لها رواها الربيع بن حبيب ، وهو طالب آخر لأبي عبيدة ، جاء بعده قائدا للجماعة الإباضية في البصرة . قال : (( أراد فرد إباضي أن يرافق حاكما معينا منذ فترة وجيزة وأن يخرج معه . سألنا الرجل : من طلب منك أن ترافق هذا الحاكم ؟ فرد رجل آخر يقول إن أبا عبيدة سمح له بذلك ، فقال الربيع : قصدت أبا عبيدة وسألته هل سمح لذلك الشخص بأن يرافق الحاكم ؟ فقال : (( لم اقل له شيئا من ذلك . لقد جاء في المثل : الثعلب يقول لدي تسع وتسعون خدعة ؛ ولكنه ليس بينها ما هو أنفع لي من أن لا يراني الكلب ، وأن لا أراه )) والشيء ذاته هو بالنسبة للمسلم ، لا شيء أفضل له من أن لا يراهم ( الحكام ) وأن لا يدعهم يرونه . وحق الله أنني أخشى على المؤذن أن لا يكون مأمونا في الدعوة لهم للصلاة فكيف بالآخرين )) ( 45 ) . مثل هذا الموقف الحاسم المتخذ