انتشار الإباضية في شمالي إفريقية
الجزء ١ · صفحة ١٢٦والظاهر أن مهمة سلمة بن سعد كانت تستهدف اختيار شخصيات محلية لإرسالها إلى البصرة لتدريبها بحيث تستطيع تحمل عبء القيادة الإباضية في شمالي إفريقية . ولمثل هذا التوجه أن يجعل السكان المحليين ينظرون إلى التعاليم الإباضية باعتبارها شيئا خاصا بهم ، مما يؤمن دعم البربر الكامل للقضية الإباضية .
ومن الطموحات الرئيسة لسلمة بن سعد رغبته في أن يرى إمامة الإباضية سائدة في شمالي إفريقية . ويروي عن الإمام عبد الرحمن بن رستم أنه قال : (( سمعت سلمة بن سعد يقول في القيروان )) وددت لو ظهر هذا الأمر ، يعني مذهب الإباضية ، يوما واحدا من أول النهار إلى آخره ثم لا آسف على الحياة بعده )) ( 9 ) ولعل في هذه الكلمات إشارة محتملة إلى وجود مجموعة إباضية في شمالي إفريقية قبل مجيء سلمة بن سعد ، لكنها لا تزال في حالة الكتمان ، وإلى أنه لم تكن آنذاك قد جرت أية محاولة لترسيخ الإمامة الإباضية علنا .
والمحاولة الأولى من قبل الإباضيين لإنشاء إمامتهم في شمالي إفريقية بدأت حين عين إلياس بن حبيب واليا على طرابلس بعد سنة 127 / 744 . ويروي أن إلياس صرع عبد الله بن مسعود التجيبي ، من أصل حضرمي ، وهو أحد زعماء الجماعة الإباضية في طرابلس ( 10 ) . ولا نعرف سبب مصرع هذا الزعيم الإباضي . ولكن علي معمر وإحسان عباس يوحيان بأن إلياس أراد بذلك تخويف الإباضيين ( 11 ) ، وهي حقيقة تشير إلى أن الإباضيين كانوا آنذاك قوة ذات أثر كبير في طرابلس وما جاورها . على أنني أعتقد أن هذا العمل ربما كان نتيجة مباشرة للثورات الناجحة التي قام بها إباضيو حضرموت واليمن في نحو ذلك الوقت في وجه بني أمية لإنشاء إمامة مستقلة . وطبيعي أن يكون بنو أمية حريصين على منع أي تكرار لهذه الثورات في أية معاقل أخرى للإباضية باتخاذ تدابير رادعة .