سورة الأنفال
الجزء الأنفال · صفحة ٠﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ بالطاعة ﴿ إِذا دَعَاكُمْ ﴾ لم يقل دعواكم لأَن طاعة الله فى طاعة الرسول ، فأَفرد الضمير عائداً للرسول لبيان أَنه بمنزلة من الله حتى أَن دعوته دعوة الله ، ولأَن دعوة الله لا تسمع بلا واسطة فى المعتاد بل برسول ، ولإِجلال عن أَن يقرن مع مخلوق فى الضمير . قال رجل : من يطع الله ورسوله فقد اهتدى ، ومن يعصمهما فقد غوى ، فقال صلى الله عليه وسلم : « بئس الخطيب أَنت إِذ قلت ومن يعصمهما » ومر بحث فى سورة المائدة . ويجوز عود الضمير لله ، لأَن الدعوة أَصالة منه عز وجل ﴿ لِمَا يَحيِيكُمْ ﴾ من العلوم الدينية والجهاد ، وقد أَعزكم الله عز وجل به ، والأَعمال الصالحة والقرآن والحق فإِن الإِنسان بدونها كميت ، وهى فيه كالروح ، وذلك على الاستعارة التبعية ، أَو المجاز الإِرسالى التبعى لعلاقة التسبب أَو اللزوم ، أَو لما يبقيكم أَحياء حياة طيبة معتدا بها دائمة ، وهى حياة الجنة فى النعيم الدائم ، وهى ما ذكر من العلم والعمل والقرآن والحق ، أَو لما يبقيكم غير موتى وغير مشبهين بالموتى وهو الجهاد ، إِذ لو لم يجاهدوا لقتلهم العدو ، أَو كانوا فى ذل وهوان كالموت ، أَو لما يحييكم حياة الشهداءِ وهو الجهاد إِن ماتوا به ، فإِن الشهداءَ أَحياء عند ربهم ، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أَبى سعيد الخدرى يصلى فدعاه فأَوجز فى صلاته ثم جاءَ فقال : ما منعك من إِجابتى؟ فقال : كنت أُصلى ، قال : « أَلم تخبر فيما أَوحى إِلىَّ ﴿ استجيبوا لله وللرسول ﴾ » قال : بلى ولا أَعود إِن شاءَ الله . فقال صلى الله عليه وسلم : « لأَعلمنك سورة أَعظم سورة فى القرآن . الحمد لله رب العالمين هى السبع المثانى » رواه الترمذى ومثله فى البخارى عن أَبى هريرة إِلا قوله لأَعلمنك إِلخ . . وهذا قبل أَن يحرم الكلام فى الصلاة ، أَو مطلقا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم . وعليه لا تبطل صلاته كما لا تبطل فى الأَول ، وقيل : تبطل . وكذا ينتقل المصلى عن محل الصلاة للتنجية ساكتا ، ويبنى على ما مضى إِن لم يحدث ناقض ، وقيل ينقضها لذلك ، وإِسناد الإِحياءِ إِلى ضمير ما مجاز عقلى ، ويجوز الآن نقضها بالكلام فى الأَمر المهم الذى لا يحتمل أَن يؤخر كالموت ووقوع الطلاق يتكلم لئلا يقع ذاك ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقلْبِهِ ﴾ يريد الكفر فيحول بينهما ، أَو الإِيمان فيحول بينهما ، فليبادر الخير ، وكذا غير الكفر والإِيمان من المباحات وسائر الاعتقادات ، والآية عامة ، وكل ما فى القلب أَو غيره من خير أَو شر فمن الله ، قال ابن عباس : سأَلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية فقال :
« يحول بين المؤمن والكفر ، ويحول بين الكافر والهدى » ، والمراد العموم ولكن خص الإِيمان والكفر لأَنهما العمدة سعادة وشقاوة ، وكذا فى قوله صلى الله عليه وسلم لأُم سلمة رضى الله عنها إِذ سأَلته عن إِكثار الدعاءِ بيا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك : يا أُم سلمة إِنه ليس آدمى إِلا وقلبه بين إِصبعين من أَصابع الرحمن تعالى ، فمن شاءَ أَقام ومن شاءَ أَزاغ ، وقيل : لما ضاقت قلوبهم بالقلة والضعف نزلت ، بمعنى أَن الله يبدل خوفكم أَمنا ، وجبنكم جرأة ، والآية كناية أريد لفظها وهو تغيرها فى اللفظ ، ولازمها وهو قربه تعالى من القلب وهو اطلاعه على ما فيه ، ولو لم ينتبه له صاحبه كما قال : ﴿ ونحن أَقرب إِليه من حبل الوريد ﴾ وللمبادرة للاخلاص والتصفية ، ولفظ بين يمنع أَن يكون يحول بمعنى يقرب على الاستعارة التبعية ، أَو المجاز المرسل من حيث إِن فصل الشئ وحده بين شيئين يوجب القرب منهما ، ولا تتصور الاستعارة التمثيلية . وزعم بعض أَن ذلك استعارة تمثيلية لتمكنه من قلوب العباد فيصرفها عما يريدون ، وهذا لا يكفى فى تقريرها ﴿ وَأَنَّهُ ﴾ أَى الله ، أَو الشأْن ، والأَول أَولى ، ﴿ إِلَيْهِ ﴾ لا إِلى غيره ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾ للجزاء بحسب مراتب أَعمالكم ، ولا تخفى عنه ، فلا تألوا جهدًا فى انتهاز الفرصة ، ولا مهرب لكم منه فى الآخرة ولا عن حشره .