تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة التوبة

الجزء التوبة · صفحة ٠
[سورة التوبة — آية 123]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ﴾ فى الأَرض أَجانب أَو أَقارب فى النسب ، نزلت الآية بعد ما قاتل أَهل اليمن لأَنهم أَبعد ، وبعد ما قاتل قريظة والنضير وخيبر وفدك والعرب فى بدر وأُحد والأَحزاب ، وقاتل الروم فى تبوك بعض قتال فلم يبق من يليه بعد قرب إِلا الروم فى الشام وتبوك منها فقاتلهم الصحابة والتابعون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد ذلكك انتقلوا إِلى العراق وهو أَبعد وإِلى خراسان ومصر وإِلى المغرب ، وكل ذلك بعضه أَبعد من بعض ، وقلَّت الصحابة فى فتح أَندلس حتى قيل لاصحابى فى قتالها . وفى كتاب الاستقصاءِ أَنه دخلها صحابى واحد ، وقد ذكرت اسمه فى غير هذه السورة وهو المنيار ، وسمى المغرب الأَقصى باعتبار أَنه أَبعد ما بلغ الإِيمانن وإِلا فليس آخر العرب وإِنما فتحها بعد فتح المغرب ، وكلما قاتلوا أَهل موضع وغلبوهم فهم فى ذلك الموضع يليهم الكفار بعده ، وذلك قتال للمشركين حيث وجدوهم ، فلا ينافى ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ وإِنما يقال نسخت هذه الآية بقوله عز وجل : اقتلوا المشركين ، لو صح أَنه قاتل بعد نزولها من هو أَبعد ، قبل من هو أَقرب ، ولم يثبت ذلك فلا نسخ ، وقتالهم دفعة لا يتصور وفيه مضرة ، وإِذا قاتلوا الأَقرب فالأَقرب تقووا بالغنيمة ونجوا من شر عدو بينهم وبين العدو الآخر ، فلو تركوا عدوا وراءَهم خافوه على أَهلها ومالهم وخافوه أَن يرجعوا عليهم مع من قصدوه ، وزعم قوم أَن المراد الأَقرب نسباً وهو إِن كان أَنسب لقوله ﴿ وأَنذر عشيرتك الأَقربين ﴾ ولأَنهم أَحق بالبيان ولأَنه هو الواقع ، إِذا قاتل قومه ثم سائِر العرب ، لكن قبل نزول هذه الآية ، إِلا أَن يدعى أَنها نزلت قبل ذلك وجعلت بعد فى براءَة وهذا بعيد ﴿ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ أَى ولتغلظوا عليهم فيجدوا غلظتكم ، فجعل الأَمر بالمسبب واللازم مكان الأَمر بالسبب والملزوم ، كقولك : لأَرينك ها هنا ، والغلظة الجرأَة عليهم والقسوة والعنف والصبر وعدم الرأَفة ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ بالنصر والحفظ ، وذلك عموم ، ويجوز أَن يراد المخاطبون ، وعليه فمقتضى الظاهر أَن الله معكم .

١٬٣٥٨ / ٦٬٢٣٦