تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة هود

الجزء هود · صفحة ٠
[سورة هود — آية 10]

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ ﴾ كصحة وخصب وعز ﴿ بَعْدَ ضَراءَ مَسَّتْهُ ﴾ كمرض وجدب وذلك ومسته نعت ضراءَ ، وذلك من الأُمور التى يظهر أَثرها على صاحبه ، ولا يخفى ظهور أَثر المرض وما بعده وكعكسها على البدن ، قال بعض المفسرين النعماءُ نعم يظهر أَثرها على صاحبها والضراءُ مضرة يظهر أَثرها على صاحبها لأَنها خرجت مخرج الأَحوال الظاهرة كحمراءَ وبيضاءَ وهو بهذا الوزن ، إِلا أَنها اسم جمع لا واحد له إِلا بالمعنى كنعمة ، لأَنها ليست جمع نعمة والنعمة أَعم من النعماءِ لأَنها لا تختص بما يظهره أَثره ، والمضرة والضراءُ أَعم كذلك من الضراءِ ، وعبر بالذوق هو ما يختبر به الطعم والمس وهو أَول الاتصال تنبيها على أَن ما فى الدنيا تمثيل بقليل الدنيا على ما فى الآخرة كالعنوان ، وإِن الإِنسان يبطر بأَدنى شىءٍ وخالف بين تحول النعمة إِلى الشدة وعكسه ، ولم يوفق بأَن يقول بدل قوله ولئِن أَذقنا إِلخ ، ولئِن أَذقنا الإِنسان شدة وضرا بعد ما أَعطيناه رخاءً ورحمة على حد ، ولئِن أَذقناه نعماءَ إِلخ للتنبيه على سبق رحمة الله غضبه ، ولأَن المقصود بالذات الرحمة والبلاءُ للخروج عن الطريق بسوءِ التدبير فهو بالعرض ، ولذلك أَيضاً لم يقل بعد مس ضراءَ بتقديم المس ، وأَيضاً لم يقل أَمسسنا كما قال أَذقنا ليدل على أَن المقضى بالذات الخير ، وأَما الشر فمقضى بالعرض ، وللتنبيه على مراعاة الأَدب مع الله كما ورد بيدك الخير مع أَن الشر بيده أَيضاً ، وأَما إِسناد النزع إِليه فليس إِسناد شر صراحة بل تلطفاً ﴿ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّى ﴾ الأُمور التى تسوؤُنى أَو الأَشياءُ التى تسيئُنى ، وقد كان لا يتوقع زوالها لأَنه يؤُوس ولم يشكر نعمة زوالها كما قال ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ ﴾ بأَمر الدنيا فرح بطر واغترار وأَكثر ما ورد الفرح فى القرآن للذم وهو فى قوله تعالى : ﴿ فرحين بما آتاهم ﴾ لغير الذم لأَنه فى الشهداءِ ﴿ فَخُورٌ ﴾ على الناس بما آتاه الله ليشكره عليه مشتغل به عن الشكر ، وفى لفظ الإِذاقة والمس تنبيه على أَنه يقع فى الكفران بأَدنى مضرة وفى البطر والفخر بأَدنى نعمة ، وكل ما أَصاب الشقى أَو السعيد من الشدائِد شىءٌ يسير ، وكالعدم بالنسبة للعذاب فى الآخرة ونعمها ، ولذلك جاءَ أَن الدنيا سجن المؤْمن وجنة الكافر ولو كان يصيبه الشدائِد .

١٬٤٨٣ / ٦٬٢٣٦