تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة هود

الجزء هود · صفحة ٠
[سورة هود — آية 81]

﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةَ ﴾ لو للتمنى والمصدر من خبر إِن فاعل ثبت وبكم بمعنى عليكم يتعلق بمتعلق لى أَو بلى أَو بقوة لأَنه مصدر لا ينحل إِلى أَن والفعل ، وأَيضا يتوسع فى الظروف أَو حال من قوة ، والمراد القوة على أَن يدفعهم عن اللواط بنفسه أَو بغيره كما قال ﴿ أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ أَنضم إِلى قوم أَقوياءَ أَدفع بهم أَشداءَ ثابتين كالركن للبيت ، بل ركن الجبل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رحم الله أَخى لوطا كان يأْوى إِلى ركن شديد » رواه البخارى ومسلم . قال ذلك ترحما عليه وشفقة عليه لا استضعافا لقوله ، وكان هو وإِبراهيم من بابل من أَرض العراق من قرية تسمى كوتا أَتيا الشام وأُخوة بلد لا فى الدين أَو النسب ، وهو ابن أَخى إِبراهيم ، وقيل ابن أُخته أَرسله الله إِلى أَهل سدوم من أَرض الشام ، ويقال أَيضا سمى أَخا لهم لمجاورته لهم ومصادرته لهم ولولادته منهم أَولادا وإِقامته فيهم مدة طويله ، وفى قوله صلى الله عليه وسلم : رحم الله أَخى لوطا إِلخ إِشارة إِلى أَنه لا ينبغى للوط أَن يقول ذلك لأَن ظاهره إِقناط كل من أَن يجد ناصراً من الناس ، وقد قال شعيب أَرهطى أَعز عليكم من الله ، ولا أَقوى من الله ، أَليس الله بكاف عبده ، والإِياس من الناس جائِز والممنوع الإِياس من الله عز وجل ، وما تقدم أَولى ، فإِن التمنى للركن تمن لأَمر شرعى يثاب عليه كمن تمنى سيفا يجاهد به ، وقد قيل أَراد بالركن العشيرة وأُجيز أَن تكون لو شرطية على حد ما مر من تقدير الفعل فيقدر لها جواب ، أَى لدفعتهم كقوله تعالى : ولو أَن قرآنا سيرت به الجبال ، وعطف أَوى على ثبت المقدر والمضارع للتجدد أَو على قوة بتقدير أَن الناصبة حذفت ورفع الفعل أَى قوة أَو آويا والقوة بنفسه فى الدفع والأَوى فى الدفع بغيره ، والشرط أَولى من التمنى ، لأَن جوابه المقدر يقبل أَنواعا كالدفع كما ذكرته والمنع والبطش ، ويجوز أَن يكون الركن الشديد الله على أَن أَو بمعنى بل ، فيكون قوله صلى الله عليه وسلم « رحم الله أَخى . . إِلخ » مدحا وهو خلاف المتبادر من الآية ، ولما قال من وراءِ الباب مستترا هؤلاءِ بناتى وتضرع إِليهم بالوعظ وذكر الأَوى إِلى ركن شديد من الناس ولم يجده علم أَنه ضعيف فتسوروا عليه ، أَو أَرادوا التسور ، ورأَى الملائِكة كربه قالوا له ما ذكر الله عز وجل عنهم فى قوله :

﴿ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ ملائِكة أَرسلنا الله إِلى إِهلاكهم فافتح الباب لهم ، وقيل كسروا الباب ﴿ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ﴾ بإِضرارنا لأَن مضرة أَضيافه مضرة له ، فقالوا لن يصلوا إِلى مضرتك ، فدخلوا ودعا جبريل عليه السلام الله أَن يأْذن له فى إِعمائِهم فضربهم بجناح أَخضر فعموا ، فقالوا النجاءَ النجاءَ إِن فى دار لوط سحرة فستعلم يا لوط ما نعاقبك به غدا ، وقال لوط لهم متى هلاكهم فقالوا الصبح فقال أُريد إِهلاكهم الآن .

فقالوا أَليس الصبح بقريب ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقطعٍ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ فى بعض من الليل ، وقيل نصف الليل أَو فى ظلمة من الليل ، وعن ابن عباس آخره قال الله تعالى : نجيناهم بسحر ، ويجاب بأَن سرى أَول الليل ووقعت نجاتهم بسحر ، إِذ جاوزوا البلد المقلوع وذلك السرى لئَلا يسمعوا أَصوات العذاب الذى يقع صبحا ، وسرى بأَهله فى حينه ، وطوى الله لهم الأَرض فى وقتهم ، ووصلوا إِبراهيم ونجوا ، سرى وأَسرى بمعنى ، وقيل أَسرى أَول الليل وسرى آخره ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾ قال قتادة لا ينظر إِلى ورائِه فيلحقه العذاب الذى يصيب القوم ، والخطاب للأَهل ومقتضى الظاهر ولا يلتفت منهم أَحد بالغيبة ، وذلك على طريق الالتفات وناسبه ذكر لفظ يلتفت ، ويسمى ذلك تسمية النوع وهو أَن يؤتى فى العبارة بنوع من البديع ويذكر اسمه فيها نحو : جردت الأَسود منى إِلى العدو ﴿ إِلاَّ امْرَأَتَكَ ﴾ استثناءٌ من أَحد بالنصب لأَنه فصيح ، ولو كان الإِبدال أَفصح لتقدم السلب ولا مانع من اتفاق الجمهور على وجه مرجوح لاتفاق حقيقة المعنى ، والمراد أَنكم نهيتم عن الالتفات بعد الخروج إِلا هى فلم تنه فالتفتت وقالت : واقوماه فضربت بحجر وماتت ، ويجوز أَن يكون الاستثناءَ منقطعاً ، أَى لكن امرأَتك تهلك كما هلكوا ، أَو تلتفت فتصاب ولو خرجت معكم ، كما قال ﴿ إِنَّهُ ﴾ أَى الشأْن ﴿ مُصِيبُهَا ﴾ خبر مقدم للاستقبال ﴿ مَا أَصَابَهُمْ ﴾ مبتدأٌ مؤَخر ومعناه الاستقبال ، ووجه لفظ المعنى الإِخبار بأَنهم يصابون بالعذاب قبلها ، وتحقق الوقوع والجملة خبر إِن ، ولا تقل كما قال بعض المحققين مصيبها مبتدأٌ وما خبر ، ولا تقل مصيب خبر إِن وما فاعله لأَن ضمير الشأْن لا يفسره إِلا جملة صريحة خلافا للكوفيين إِذ أَجازوا أَنه ما قائِم أَخواك ، ويجوز إِجماعا أَنه ما قائِم أَخواك وما قائِم أَخوك على أَن أَخوك فاعل قائِم ، ويجوز أَن يكون استثناءً من أَهل فيتعين النصب كما قرأَ ابن مسعود وكتبه فى مصحفه : فأَسر بأَهلك إِلا امرأَتك . فيكون لم يسر بها لكن اتبعهم بلا آمر منه عليه السلام ، وبلا علم منه باتباعها ، أَو مع علمه إِذ لم يأْمرها فلا يضره اتباعها فكانت خلفهم فقالت : واقوماه لما التفتت وأُصيبت ، وهذا ما ظهر لى ، وقيل لم تخرج والاستثناءُ من أَهل ، وقيل المعنى لا يلتفت لا يتخلف ، كما روى عن ابن عباس يقال : ألفته عن الأَمر أَى صرفه عنه فتكون غير منهية عن التخلف فلم تسر أَو سرت وأُهلكت على كل حال ، والاستثناءُ من أَهل أَو من أَحد كما مر وتقدم أَنه أَراد عجلة العذاب فى الحين فقال ما ذكر الله عز وجل بقوله ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾ زمان موعدهم أَى موعد عذابهم ، قال ما موعدهم؟ قالوا : صبح هذه الليلة ، قال أُريد أَسرع من ذلك قالوا ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ جواب الاستبطاءِ غير مذكور .

١٬٥٥٤ / ٦٬٢٣٦