تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة يوسف

الجزء يوسف · صفحة ٠
[سورة يوسف — آية 26]

﴿ قَالَ هِى رَاوَدَتْنِى عَنْ نَفْسِى ﴾ هذه عبارة تخصيص وكأَنها حصر ، والمعنى هى راودتنى ولم أَراودها ، وذلك لوجود إِسنادين أًقوى من قوله قال : راودتنى ، وقال ذلك تبرئة لنفسه عما لوثت به عرضه ، ولئَلا يسجن أَو يعذب ، ولم يكن ليقول ذلك ، أَو لولا أَنها قالت لم يقل ، ومع ذلك أَيضاً تأدب معها إِذ لم يقل : هذه أَو أَنت استحياءً عن لفظ الحضور ، والغيبة فى اصطلاح النحاة ما ليس بخطاب أًو تكلم ولو مع حضور فلم ينصفوا لابن مالك إِذ ردوا عليه قوله : قما لذى غيبة أَو حضور ، إِلخ بقوله تعالى : ﴿ هى راودتنى ﴾ وقوله تعالى : ﴿ يا أَبت استأْجره ﴾ قالته وموسى عليه السلام حاضر ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ ابن عمها أًو ابن خالها أَو ابن عمه رجل له لحية ، وروى أنه شيخ كبير حكيم كان مع الملك حينئذ ، واتفق أنه أراد الدخول عليها ، فقال قد سمعنا الجلبة من وراءِ الباب وصوت شق القميص؛ إِلا أَنا لا ندرى أَيكما قدام صاحبه ، ولكن إِن كان قميصه إِلخ ، وفى كوكنه من أَهلها زيادة تبرئة لجانب يوسف ، إِذ شهد على قريبته لا عليه ، وأَيضاً يبعد بسط المملوك يده إِلى زوج سيده ، وأَيضاً شاهدوا أَنه هرب والطالب لا يهرب فى بدءِ أَمره ، وأَيضاً أَنها تزينت بأَكمل زينة ، وأَيضاً ما رأَو منه قبل ذلك ما يريبه ، وقيل : كان فى المهد صبياً ، ابن خالتها ، وقيل : هذا الصبى ابن أُختها ، وكانت هى وزوجها يحبان الصبيان؛ لأَنهما لا ولد لهما ، أَنطقه الله لهما ، قال صلى الله عليه وسلم : « تكلم أَربعة صغاراً ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف ، صاحب جريج ، وعيسى ابن مريم » « وفى حديث آخر : » ثلاثة ، عيسى ، وصاحب جريج ، وصبى كان يرضع فمر راكب فقالت أَمه : اللهم اجعله مثل هذا فترك الثدى وقال : اللهم لا تجعلنى مثله « ، والعدد لا يفيد الحصر ، قال بعض :

تكلم فى المهد النبى محمد … ويحيى وعيسى والخليل ومريم

ومبرى جريج ثم شاهد يوسف … وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم

وطفل عليه مر بالأمة التى … يقال لها زنت ولا تتكلم

وماشطة فى عهد فرعون طفلها … وفى زمن الهادى المبارك يختم

وجعل الله الشاهد من أَهلها إِلزاماً للحجة ، ويجوز أَن يكون الشاهد معهما فى الدار فى موضع آخر منها ، أًو هناك ولم تشعر به ، وفسر مجاهد الشاهد بالحاكم ، وجملة قوله ﴿ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهُوَ مِنَ الصَّادِقين ﴾ مفعول به لشهد محكية به لأَنه بمعنى قال ، وإِما أَن يقدر وشهد شاهد ، فقال : إِن كان إِلخ فلا لأًنه يقال : فبم شهد؟ وإن كان الفاءُ تفصيلاً عادت إِلى معنى القول فمن أًول الأًمر تفسر بالقول ، أَو شبه الحكم بصدقها على فرض قد القُبُل وبكذبها على فرض قد الدبر بشهادته على يوسف بالصدق لجامع إِثبات الصدق ، فهو بذلك الفرض كشاهد بصدقه وحذف قد أًو المبتدأُ ، والتقدير فهى صدقت أو فقد صدقت أًو فهى كذبت أًو فقد كذبت؛ لأًن صدق وكذب يصلحان شرطاً فلا يقعان جواباً بالفاءِ ، والمراد ظهر صدقها وظهر كذبها ، يفسر كان يتبين وبه يصح الاستقبال ، ووجه القد من قبل أَن يقبل عليها فتدفعه فينقد قميصه بضربها إٍياه ، أًو بحبذه جانباً دفعا له عنها فالقد فعلها ، أَو تهرب عنه ويتبعها فينقد لعثوره بذيله فالقد فعله ، وهروبها سببه ، ووجه القد من دبر أَن تمسكه بعد ذهابه ويبعد أًن تمسكه من خلفه فنقد من قدامه وبالعكس ، والقائِل إِن كان قميصه هو الشاهد ، ولو صبيا هناك فى المهد أًنطقه الله بذلك ، أَو المعنى حضر حاضر من أَهلها قائلا إِن كان قميصه .

١٬٦٢٢ / ٦٬٢٣٦