سورة الإسراء
الجزء الإسراء · صفحة ٠﴿ قُلْ كُلٌّ ﴾ أى كل أحد ﴿ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾ على طريقته التى تشاكل حله فى الهدى والضلال ، أى تماثل حاله ، فمن كان حاله الاهتداء ، فعادته السداد دائما ، أو فى الأكثر ، أو الضلال ، فيعكس ذلك سميت الطريق شاكلة لتلك المشاكلة أى المشابهة لحاله فى الهدى والضلال ، وإن شئت فقل على طريقته التى تشبه حاله فى السعادة أو الشقاوة المكتوبة فى اللوح المحفوظ من الهدى والضلال أو تشبه حاله فى علمه وقضائه الأزلى .
روى البخارى ومسلم ، عن عدى بن حاتم رضى الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . « ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة » فقالوا : يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال : « اعملوا فكلكم ميسر لما خلق له ، أما مَن كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل الشقاوة » ، ثم قرأ : ﴿ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ﴾ إلخ ، وفسر البخارى الشاكلة بالنيَّة ، وبعض بالطبيعة ، وبعض بالدين ، وبعض بالعادة ، ومن مشهور الكلام : العادات قاهرات .
وأجيز تفسير الشاكلة بالروح ، وأحوالها التابعة لمزاج بدنه ، فذو النفس الطاهرة يصد منها الإيمان والإسلام ، وذو النفس الخبيثة غير ذلك ، والنفوس مختلفة بالماهية ، واختلاف أحوالها وأفعالها ، لاختلاف جواهرها وماهياتها ، وقيل : متساوية بالماهية ، واختلاف أفعالها لاختلاف أمزجة أبدانها ، وبدل للأول أن الله جل وعلا بيَّن أن القرآن بالنسبة إلى البعض ، يفيد الشقاء والرحمة ، وبالنسبة إلى البعض يفيد الخسار ، وأَتبعه بقوله : ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ بمعنى أن النفوس الطاهرة يليق بها أن يظهر فيها بالقرآن آثار السعادة ، والخبيثة على عكس ذلك ، وبحيث بأَن القرآن يناسب القول الثانى أيضًا لأن اختلاف الأمزجة كافٍ فى ذلك .
وأيضًا قد يقال : من أين اختلاف الأمزجة لم لا تكون واحدة فما تقولون؟ والصواب ما أثبته ابن مالك فى تفسير حديث : « اعملوا فكلكم ميسر » إلخ من أن السبيل إلى معرفة ذلك التوقف ، فمن عدل عنه وأجال فيه العقل صل ، لأن القدر مر ضرب دونه الستر لم ينكشف لأحد من الأنبياء ، والأولياء ، يعنى أن حقيقة الإنسان لا تقتضى لذاتها سعادة ولا شقاوة ، وإنما هما بأمور خارجية سبق بها القضاء ، فالتيسير لما خلق له على هذا التيسير إلى ما سبق القضاء ، وعلى القولين السابقين التيسير إلى مقتضى جواهرها أو الأمزجة .
وقد يقال : أصل الإنسان الطاعة لقوله تعالى : ﴿ بلى ﴾ بعد قوله عز وجل : ﴿ ألست بربكم ﴾ ومعصية بعوارض كصحيح البجن يمرض بالعوارض ، والأنبياء والكتب ، أطباء . وفى الحديث القدسى : « إنى خلقت عبادى كلهم حنفاء ، وأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم »
، وعنه صلى الله عليه وسلم : « كل مولود يولد على فطرة الإسلام ، ثم أبواه يهوِّدانه أو يمصِّرانه أو يجِّسانه » .
وعن الصديق رضى الله عنه : لم أر فى القرآن من هذه الآية ، لا يشاكل بالبعد إلا المعصية ولا بالقرب إلا الغفران .
وقال عمر : ﴿ غافر الذنب وقابل التَّوب ﴾ قدم الغفران على قبول التوبة ، وقال عثمان : ﴿ نبِّئ عبادى أنى أنا الغفور الرحيم ﴾ وقال علىّ : ﴿ قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ وقال محمد بن الحنفية : أرجَى آية عندكم أهل العراق قوله تعالى : ﴿ قل يا عبادى الذين أسرفوا ﴾ إلخ ، وعندنا أهل البيت : ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ وقال عثمان النهدى : ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم ﴾ وعن علىّ : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ فالمصائب بكسب الأوزاغر ، فإذا عاقبه الله فى الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه ثانيًا ، وإذا عفا عنه فى الدنيا فهو أكرم من أن يعذبه فى الآخرة .
﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً ﴾ أسدّ طريقا فيثاب عليه ، وأهدى اسم تفضيل من الخماسى ، وهو الاهتداء على خلاف القياس ، وحذف الزائد وهو همزة الوصل والتاء ، أو من هدى الثلاثى اللازم بمعنى اهتدى .