سورة الإسراء
الجزء الإسراء · صفحة ٠﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْا ﴾ ألم يتفكروا ولم يروا أى لم يعلموا ﴿ أَنَّ اللهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ أى أن يخلقهم بعد فنائهم مثل خلقهم الأول ، كما قال : ﴿ خلقاً جديداً ﴾ ومثل الشئ لما كان مساويا له فى حالته جاز أن يعبر به عن الشئ نفسه ، كما يقال مثلك لا يفعل كذا ، ويراد أنت لا تفعل ، وذلك أنسب بالمقام من أن يقول : إن المعنى قادر على أن يخلق ناسًا يعبدون الله ولا يعصونه ، يوحدونه ولا يشركون به ، وهم مثلكم فى الإنسانية وليس بعثهم أصعب من خلق السموات والأرض ، ولا الإعادة أصعب من البدء وكل شئ عنده سواء لا أصعب ولا أخف ، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وقوله عز وجل : ﴿ يستبدل قومًا غيركم ﴾ وعامة آيات البعث إما ظاهرة أو صريحة فى أنه تبعث الأجسام الذاهبة بعينها ، وما بقى لم يفن كعَجْب الذنَب وما بقى من أجزاء ما يفنى ينفخ فيه الروح بعينه ، ويرد إليه ما فنى ، وجاء فى الحديث : « إن عجْب الذنب لا يبلى ولا يأكله التراب » فنقول فتجمع إليه ما ذهب ويحيى الكل ، وفسر بعضهم ذلك بأن العجب المذكور لا يفنى بالتراب ، بل يفنيه الله بلا تراب ، كما يفنى ملَك الموت بلا ملَك موت .
وذكر بعض أن كل ما يفنى يفنى أيضًا ثم يعاد ، وأما فناء الأحياء بالموت فلا يستثنى منه مخلوق .
﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ هو الموت أو القيامة ، والجملة معطوفة على قوله : « أو لم يروا » لأن معناه قدر ، كأنه قيل قدر أن يخلق مثلهم ، وجعل لهم ، وليس الاستفهام منسحبا عليه ، وأفرد الأجل لأن المعنى جعل لكل أحد أجلا هو الموت ، أو لأن القيامة أمر واحد ، ويجوز أن يراد بالأجل مدة الحياة كلها لكل أحد . ويجوز عطفها على خلق ، أو قادر فيتسلط عليها الاستفهام ، وهذا ظاهر فى التفسير بالموت ، أو بمدة الحياة .
وأما فى التفسير بالقيامة فباعتبار وضوح أمرها بالدلائل حتى كأنها مما لا ينكرونه فيقال : أو لم يروا أنه جعل لهم يوم القيامة بلا ريب .
﴿ فَأَبَى الظَّالِمُونَ ﴾ المشركون مع وضوح الحق ﴿ إِلاّ كُفُورًا ﴾ مجوداً للحق وهو القدرة على البعث .