تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 217]

﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ ﴾ بدل اشتمال ﴿ فِيهِ ﴾ عن قتال فى الشهر الحرام رجب أمر سرية فى جمادى الأخيرة قبل بدر شهرين ليرصدوا عيراً لقريش فى بطن نخلة ، فيها عمرو بن عبدالله بن عباد الحضرمى ، وهو أول قتيل من المشركين قتله المسلمون ، وكذا الأسر والغنمن وهم ثلاثة فقتلوه وأسروا اثنين عثمان بن عبدالله ، والحكم بن كيسان ، وهرب واحد نوفل بن عبدالله ، واستاقوا العير وفيها تجارة الطائف ، وفيها زبيب وأدم لأهل الطائف ، وغير ذلك لقريش ، وعلى السرية ابن عمته صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش ، وقد كتب له كتاباً وقال له ، لا تنظر فيه إلا بعد سير يومين فنظر بعدهما ، وفيه لا تكره أصحابك على السير ، وهم ثمانية رجال ، منهم وافد بن عبدالله أشرف على أصحاب العير ، وقد حلق رأسه ، فقال بعض لبعض : هم عمار لا بأس منهم ، فقالت كفار قريش : استحل محمد الشهر الحرام ، شهراً يتفرق فيه النسا لمعايشهم ويأمنون فيه ، فشق ذلك على عبدالله ابن جحش ومن معه من السرية ، وقالوا لا نبرح حتى تنزل توبتنا ورد صلى الله عليه وسلم العير بأحمالها والأسيرين بالغوا لأنهم أبرار ، وعدوا الخطأ كذنب ، أو قبل أن يعرفوا أن الخطأ والنسيان معفو عنهما ظنوا أنهم فى آخر جمادى ، وهم فى أول رجب ، وعن ابن عباس أخذ الغنيمة والأسيرين ولم يردهم ، وأنهم أول غنيمة ، ويجمع بأنه ردها بمعنى أوقفها ولم يقبلها الوحى ، ولا ضعف فى هذا ، والسائلون أصحاب السرية سؤال تحرج وتوبة لعلمهم بحرمة القتال فى الشهر الحرام كما قالوا حتى تنزل توبتنا ، وقيل السائلون المشركون سؤال جدال ، وعيروا من فى مكة من المسلمين ونسبوا لك للنبى صلى الله عليه وسلم ولم يحضر لأنهم قومه ومتبعوه ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ أى القتال فيه هو أمر كبير إذا فعل عمدا ، والسرية لم تقاتل عمدا ، وهو حرام من لدن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، والمذهب أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، والذى عندى أنه شرع لنا ، وأنه يقدم على الاجتهاد ما لم ينافه القرآن أو الحديث . أو الإِجماع بدليل راجح ، ولا خلاف فى أنه ليس شرعا لنا إذا صرح فى ذلك بخلافه ولا يصح أن شيئاً شرع لمن قبلنا إلا إن ذكر عنهم فى القرآن أو الحديث أو الإجماع ، أو رواه ثقة أسلم منهم كعبدالله بن سلام ، وقد قيل إن تحريم القتال فى الأشهر الحرم منسوخ بقوله تعالى ، فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، ولو كان عمومه فى المكان لما قيل إن عموم الأمكنة قرينة عمومه الأزمنة ، ولأن الإيجاب المطلق يرفع التحريم المقيد والنسخ مذهب الأكثر وقد قيل إن الأشهر الحرم فى تلك السنة لا فى السنين بعدها ، وقال عطاء : لا نسخ فى ذلك لكن إن قاتلك فقاتله ، وقيل نسخت هذه الآية ، ولو كان قتال نكرة فى الإثبات كقوله تعالى

﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ ولا سيما أنها قيدت بما تعم به قوله فيه ، على أن نعتها أو متعلق بها فلما عمت صح نسخها بقوله تعالى ، اقتلوا المشركين الخ ﴿ وَصَدٌّ ﴾ مبتدأ خبره مع ما بعده أكبر أى منع ﴿ عَن سَبِيلِ اللهِ ﴾ دينه ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ أى بالله أى إشراك بالله لورود الضمير للمضاف إليه فى القرآن بلا شرط كون المضاف كلا ، وإن رد للسبيل كان كالتكرير ، لأن الصد عن السبيل كفر به منهم لإشراكهم ، وأما الفاسق فقد يمنع من الشىء مع إيمانه به ، وجاز رده إليه لأن فيه تصريحا بأن الصد عنه كفر به ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ عطف على سبيل ، أى عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، وجاز عطف كفر على المصدر قبله ، عطف المسجد على معموله ، وهو سبيل ، لأن الصد عن سبيل الله فرد من أفراد الكفر به ، فإنه ليس بأجنبى محض وعطف المسجد على الهاء بلا إعادة جار لجواز نسبة الكفر إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلق بها وهو منع الناس عن المسجد الحرام ، نحو ومن يكفر بالطاغوت أى بألوهيته ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ ﴾ النبى والمؤمنين ، سماهم أهله ، لأنهم القائمون بحقوقه أو لأنهم يصيرون أهله بعد الفتح ﴿ مِنْهُ ﴾ من المسجد الحرام ﴿ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ ﴾ من القتل والأسر والغنم الواقعات من السرية أو مطلقا فى الشهر الحرام ﴿ وَالْفِتْنَةُ ﴾ الشرك وإخراج النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة ﴿ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ من قتل الحضرمى فى الشهر الحرام ، لأنهم قتلوه فيه ظنا منهم فى جمادى ، وهو حلال الدم لأنه مشرك محارب ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَتِلُونَكُمْ حَتَّى ﴾ إلى أن ، أو كى ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ ﴾ إلى الكفر فى ظنهم واعتقادهم ، وخيب الله ظنهم واعتقادهم ففشلوا ، وما توا قبل أن يردوا المسلمين عن دينهم وأسلم الكثير ﴿ إِنِ اسْتَطَعُواْ ﴾ متعلق بيردوكم أو بلا يزالون ، على معنى يدومون على القتال إن استطاعوا الدوام عليه ، وما فى هذا من الابتذال يزول بالتلويح إلا أنهم لا يستطيعون ذلك الدوام بل يفشلون ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ ﴾ بقتل أو بلا قتل ﴿ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ ﴾ بطلت ، قيل كما تحبط الدابة تفسد بأكل نبات اسمه الحباط ، أو أكثرت الأكل فى مرعاها فتفسد أو تموت ﴿ أَعْمَلُهُمْ ﴾ الصالحة وعوقبوا عن أعمالهم السيئة ﴿ فِى الدُّنْيَا ﴾ لا تعتبر لهم فيها ، بل تلغى لا يعصم بها ماله الذى فى بلد الإسلام ولا دمه ، فإنه يقتل ولو امرأة ، ولا يرث ولو يورث ولا يمدح ، وتبين زوجته ، وتؤخذ أولاده عنه ﴿ وَالْآخِرَةِ ﴾ لا يثابون عليها فى الآخرة ﴿ وَأُوْلَئِكَ ﴾ المرتدون ﴿ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ وإن تاب قبل موته قضى ما فعل قبل ردته عندنا وعند أبى حنيفة وقيل يرجع له كله ، وقيل إلا الحج فإنه يعيده ، ولا ترجع له الصحبة إن لم يدركها بعد توبته من الردة ، وقيل ترجع له ولو مات قبل توبته ، ومذهب الشافعى أنه إن تاب قبل الموت رجع إليه علمه ، وصح له .

ولم يعده ، لأن الله عز وجل قيد الإحباط بالموت على الردة ، وعلى هذا القيد يحمل إطلاق قوله تعالى : « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله » ومذهبنا كمذهب الشافعى فى حمل المطلق على المقيد . إلا أنا نقول : قيد الموت على الردة إنما هو لاعتبار الإحباط فى الآخرة ، واستحقاق النار ، وعند أبى حنيفة ، المطلق لا يحمل على المقيد إلا إذا اتحدت الحادثة والسبب ، ودخل المطلق والمقيد على الحكم ، بخلاف هذه الآية ، لأن الحكم والسب وإن اتحد لكن المطلق والمقيد دخلا على السبب ، فيجوز أن يكون المطلق سبباً كالمقيد . لإمكان الجمع ، فيحتج بقوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ، على أن الحسنات تحبط بنفس الردة والموت عليها ليس بشرط ، بناء على أصله ، من أن المطلق يحمل على إطلاقه ، كما أن المفيد يحمل على تقييده .

٢٢٤ / ٦٬٢٣٦