تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة مريم

الجزء مريم · صفحة ٠
[سورة مريم — آية 76]

﴿ ويزيدُ الله الَّذينَ اهْتَدوا هُدًى ﴾ عطف قصة على أخرى لبيان حال المهتدين أشر بيان حال الضَّالين ، ولا يقال عطف على قوله : ﴿ فليمدد له الرحمن مداً ﴾ رابطا عائداً الى المبتدأ ، وهو من ولا معنى للعطف أيضا ، لأنه لا يصح أن يكون فى موضع المعطوف عليه ، إذ لا يتجه أن يقال من كا فى الضلالة ، يزيد الله الذين اهتدوا هدى ، اللهم إلا إن اعتبر معنى قولك من كان فى الضلالة ، زيد فى ضلالة ، وزيد فى هداية أعدائه ، لأنه مما يغيظه ، ولا يخفى بعد ذلك ، وعدم تبادره وإلا أن يعتبر الوجه المرجوح ، وهو أن لا يعود الضمير من الجواب الى اسم الشرط بأن الراجح عوده ، فقولك من قام فانى مكرم له أولى من قولك من قام ، فزيد قائم وكلاهم جائز .

ولا ضعف فى قولنا عطف قصة على أخرى ، مثل أن تعطف على مجموع من كان فى الضلالة الخ فيتم التقابل ، لأنه أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم عن قولهم أى الفريقين ، كأنه قيل : قل من كان فى الضلالة من الفريقين ، فليمدد له الله تعالى ، وينفس فى حياته ليزيد فى الغى ، ويجمع له عذاب الدارين ، ومن كان فى الهداية منهما يزد الله تعالى هداته ، ويجمع له خير الدارين .

﴿ والباقيات الصالحات ﴾ الأعمال الباقيات الصالحات مطلقاً ، وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ﴿ خَيْر عنْدَ ربِّك ثَواباً ﴾ من مال الكفار ، وما يفتخرون به ، أو مما يعده الكفار ثواباً لهم فى الآخرة ، وهو أن ينفعهم ما يعبدون ، أو سمى عقابهم ثواباً تهكماً بهم ، وجعل ثواب المسلمين خيراً منه ، على أن معنى ثوابهم فى حسنه أشد من عقابهم سوئه ، ولا إشكال فى ذلك ، فان فى العذاب شدة كما فى الثواب ، فقال : شدة الثواب أعظم من شدة العقاب ، بناء على أن رحمته سبقت غضبه ، فتبنى على ذلك شدة كقولك : الخل أحمض من العسل ، بمعنى أنه فى حموضته أشد من العسل فى حلاوته .

وكذلك الإسلام فى حسنه أشد من الكفار فى قبحه ، ويقرب من ذلك قوله تعالى : ﴿ أذلك خير أم جنة الخلد ﴾ وجعل بعضهم الآية من باب يوسف أحسن الإخوة ، بمعنى أن لهم زيادة فى الخير بقطع النظر عن الكفر ، وعدم اعتباره ، وهذا فى آية السورة هذه ، وليس كذلك ، بل يوسف أحسن الإخوة ، يحتاج الى ما قلنا فى الآية ، أو تأويل أحسن بحس ، أو خير جاء على طريق المشاكلة لقولهم شر مكاناً .

﴿ وخيرٌ مَرداً ﴾ فيه ما فى الذى قبله ، والمراد المرجع والعاقبة ، وهو الخير الدائم وعاقبة الكفر الشر اللازم ، والجملة ليست من مقول القول لقوله : ﴿ عند ربك ﴾ وفيها تتميم لقوله تعالى : ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا رأوا ﴾ الى قوله : ﴿ جنداً ﴾ تتميم لوعيدهم ، وكلاهما تتميم للأمر بالجواب عن قولهم ، أى الفريقين ، وقيل الجملة من مقول القول وعند ربك خطاب منه صلى الله وسلم لبعض الكفار ، وكلهم ذلك البعض على سبيل البدلية .

٢٬٣٢٦ / ٦٬٢٣٦