تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنبياء

الجزء الأنبياء · صفحة ٠
[سورة الأنبياء — آية 63]

﴿ قال بَلْ فَعَله كَبِرُهم هذَا ﴾ على مقتضى زعمكم أنه إله أكبر ، غضب أن يعبد معه غيره منها ، فاعملوا أن الله يغضب بأن تعبدوا معه غيره ، أو أراد إثبات الفعل لنفسه ونفيه عنها استهزاء بهم ، كقولك لا هى بل أنت كتبته بعد قوله أأنت كتبته استهزاء به ، تريد إثبات الكتب لك ونفيه عنه ، وفى البخارى ومسلم والترمذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لم يكذب ابراهيم إلا ثالث كذبات ، اثنتين فى ذات الله تعالى قوله : ﴿ إنى سيقم ﴾ آى سقيم القلب بضلالكم ، وأو سأسقم ، وقوله : ﴿ فعله كبيرهم هذا ﴾ وقوله لسارة : هذه أختى » وكذا تسمية ذلك كذب فى حديث الشفاعة ، وذلك صوبة كذب ، ويجوز أن يكون قد أذن الله تعالى له أن يقول ذلك ، كما أذن ليوسف أن قوله : ﴿ أيتها العير إنكم لسارقون ﴾ وليسوا بسارقين ، وتسمية ذلك كذباً مجاز لأن المعرضة أو الاستهزاء صورة ، كذب لا كذب ، وفى المعارض مندوحة عنه .

وكذلك قوله : ﴿ إنى سقيم ﴾ أن أراد به ضيق قلبه بكفرهم فبطل قول من استدل على عدم عصمة الأنبياء قبل النبوة بآلاية ، وكذا لو قيل على بعد أن فاعل فعله ضمير ابراهيم ، أو فتى وهو مستتر ، وكبيرهم هذا مبتدأ أو خبر ، ووجه بعده رد المتكلم ضمير الغائب الى نفسه ، وتكلف ذلك أيها ما لهم ، وخروجاً عن الكذب ، ويضعفه أيضا الإضراب ببل ، فإنه غير مناسب لما قبله ، وقد يوجه بأنه إضراب عن شكهم واستفهامهم الى التصريح ، ولا يشعرون بالتصريح ، ومع ذلك هو قول الكسائى . وكان يقف على فعله إلا أنه قال : الفاعر محذوف ، وكان يجيز حذف الفاعل بلا ضرورة ولا ساكن ، أو أراد بالحذف هنا الاستتار ، وحذف الفاعل بلا دليل لحن ، ولا يباح اللحن للتقية ، أعنى أنه لا يخرج الكلام عن كونه لحناً لكونه تقية فهو معى التقية لحن ، وكلام الله منزه عنه ، إلا أن كلام ابراهيم بالعجمة فلعله وقع ذلك فى كلام ابراهيم ، فذكره الله عز وجل كما هو فى كلامه ، ولم يصلحه ، وذلك ضعيف لا يخرج عليه القرآن ، ولا على مثله فى الضعف مثل ما قيل : إن كبيرهم ابراهيم ، وفيه أن ابراهيم ليس من تلك الأصنام ، فيحتاج أن يراد بالكبير الرئيس عليهم والسيادة عليهم ، كما قال للأنسان إنه سيد دوابه .

ومثل ما قيل : المراد كبيرهم هذا الإله الذى هو الله ، وفيه مع بعده الإشارة الى الله بهذا فى اللفظ ، ولو أراد به مقصوداً فى قلبه ، ومثل ما قيل انه فاعل فقل وهو الله أو ابراهيم نفسه ، وما قيل : إن الفاء عاطفة ، وعلّ هو لعل حذفت لامه الأولى ، ولام من آخره ، كما قرأ ابن السميدع فعله بشد السلام ، أو المراد فعله كبيرهم هذا ان كانوا ينطقون ، والإشارة للصنم ، فيكون قوله :

﴿ فسألهم ﴾ معترضاً بين قوله : ﴿ إن كانُوا ينْطِقُون ﴾ ، وما أغنى عن جوابه وهو فعله كبيرهم هذا ، وما تقدم أولى فاسألوهم غير معترض ، مغن عن جواب : ﴿ إن كانوا ينطقون ﴾ .

٢٬٥٤٦ / ٦٬٢٣٦