تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 265]

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾ فى الفرض ، والنفل يقدر هنا ، ومثل نفقات الذين ، والنفقة تشبه البستان فى النماء ، وهذا أنسب من أن يقدر فيما بعد كمثل صاحب جنة ، أو أصحاب جنة ﴿ ابْتغَآءَ ﴾ طلب ﴿ مَرْضَاتِ اللهِ ﴾ ألا يكونوا من أعدائه لا للثواب ، فضلا عن الرثاء والمن والأذى ، وأراد بالمرضاة الثواب أو الإحسان للزوم والسببية ﴿ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ أى لأنفسهم على الجزاء ، أو على الإيمان ، أو يثبت كل واحد بعض نفسه على الإيمان بإنفاق المال لله جل وعلا ، وإذا بذل ماله وروحه فقد ثبتها كلها ، والمال شقيق الروح ، فمن بذله يثبت على سائر الأَعمال الشاقة وعلى الإيمان ، أو تصديراً وابتداء من أنفسهم للإيمان ، أو تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ فى مكان مرتفع مستو ، فإن شجره أزكى ثمراً وقوة للشمس مع الرى ، ولطاقة الهواء ، وأحسن منظراً ، كما أن صفة الإنفاق لله وسماعه أمر حسن بمال إليه ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَتْ ﴾ صاحبها أو الناس بسبب الوابل ﴿ أُكُلَهَا ﴾ ثمارها التى من شأنها أن تؤكل ﴿ ضِعْفَيْنِ ﴾ مثلى ما يؤتى غيرها مما لم يصبه وابل أو لم يكن فى ربوة ، أو لم يبارك فيه ، أو مثلى ما يؤتى إذا لم يصبها ، والضعف أحد المثلين كالزوج لأَحد المفترنين ، أو الضعف المثلان ، فالضعفان أربعة : والمضاعفة بالأربعة فصاعداً مشاهدة فى الثمار ، أو آتت فى السنة ما تؤتى فى السنين ، وذلك هو أشد ملابسة للمقام ، ألا ترى إلى تضعيف الحسنة ، بل لو لم تكن بالأربعة فى الوجود صح ، لأَن التمثيل يكون بالتحقيق ، ويكون بالغرض ، وإسناد الإيتاء إلى الجنة مجاز للتسبب أو كونها محلا للثمار ، لأَن المؤتى أشجار الجنة ، لا نفس الجنة ، فذلك استخدام ولك اعتبار أن الأرض لها تسبب فى ذلك كأشجارها ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ أى فمصيبها طل ، أو فطل يصيبها ، أو فطل يكفيها ، لطيبها وطيب هوائها ، وهو مطر خفيف ، يسمى الرذاذ ، ومن العجيب تقدير بعض ، فيصيبها بالفاء ، والمضارع المرفوع ، مع أنه لو وردت به الآية لاحتجنا إلى تأويل شبه عمل المؤمن كله تمثيلا بإنفاقه بجنة مرتفعة ، يدور أمرها بين وابل وطل ، فإنه ينمو بازدياده وطيب أحواله ، قل أو كثر ، كثمر تلك الجنة ينمو ، أصابها الماء الكثير أو القليل ، للشمس وطيب الهواء ، وذلك استعارة تمثيلية ، شبه الأعمال الصالحة من حيث القوة والضعف وما يترتب عليها من الثواب بتلك الجنة فى أحوالها وما يترتب عليها من الثمرات ﴿ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فيجازيكم به خيراً أو شرّاً ، لا تراءوا ولا تمنعوا ولا تؤذوا وأخلصوا .

٢٧٢ / ٦٬٢٣٦