تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 266]

﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ محط الاستفهام الإنكارى هو قوله ، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ، والخطاب للناس مطلقا ، فدخل فيهم المان والمؤذى والمرائى ﴿ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ تطلق الجنة على أرض الشجر ، وهو المختار ، فى قوله : جنه بربوة ، فهى أرض فى جملة أرض مرتفعة ، ولا يلزم ذلك لجواز أن يراد الأشجار ، وهو أنسب بقوله ، فآتت أكلها ، ولو جاز أن يقال فى أرضها أنها آتت أكلها ، وتطلق على نفس الشجر كما هنا ، ويدل له بيانها بقوله عز وجل : ﴿ مِّنْ نَخِيلٍ ﴾ جمع نخل أو مثله ﴿ وَأَعْنَابٍ ﴾ ويدل له أيضاً قوله ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ ﴾ كأنه قال : أن تكون له نخيل وشجر عنب عظام ، بدليل التنكير فى جنة وفيهما ، وتكون لهما جميع أشجار الثمار بدليل قوله ﴿ لَهُ فِيهَا ﴾ فى الأشجار المعبرة عنها بالجنة ﴿ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ ﴾ رزق ثابت من كل الثمرات ، أى من كل أنواع الثمرات ، واقتصر على ذكر النخل والأعناب لشرفهما ولكثرة منافعهما ، لأن فيهما إداما ، ويكون منهما الخل والزبيب والعسل ، ويدخران ، وهما ألذ ، ولا وخامة فيهما . ويكونان غذاء ، والعنب والرطب والبسر فواكه أيضاً ، والمراد بكل الثمرات استغراق أنواعها ، لما مر من أن التمثيل يصح ولو فرضا ، أو الاستغراق عرفى ، أى من كل الثمرات بحسب المعتاد ، والمراد بالثمرات المنافع التى توجد فى البساتين ، يذكر النخل بنفسها والكرم بثمره ، لأن النخلة كلها منفعة والكرم لا نفع إلا فى ثمارها ، والنخلة عمتنا أيضاً فكانت أولى بالذكر بنفسها ومن فضائل العنب ما قيل عن الله سبحانه : أتكفرون بى وانا خالق العنب ﴿ وَأَصَابَهُ ﴾ أى ويصيبه الكبر ، أو المراد ، يود أحدكم أن كانت له جنة . . . الخ وأصابه ، أو أن تكون له جنة الخ . . والحال أنه أصابه ، وفى جعل الواو عاطفة أنه تمنى الإصابة ، وهو لا يتمناها ، فليست عاطفة وكون الاستفهام للإنكار لا يدفع هذا الإشكال ﴿ الْكِبَرُ ﴾ كبر السن والفقر فى كبر السن أشد منه فى الشباب وما يليه ﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ ﴾ لصغر السن ، أو للجنون ، أو العلل ونحو ذلك ، أو كله ، أو بتعدد ، فهو فى عجز لكبر ، وفى كثرة عيال ضعفاء ، لا يكسبون له ولا يدفعون عنه ﴿ فَأَصَابَهَآ ﴾ تعقيب لا سببية ﴿ إِعْصَارٌ ﴾ ريح تتلف ، حاملة للتراب . مستديرة على نفسها ، كعمود إلى جهة السماء ، سمى لأنه يعصر السحاب أو الأجسام ، أو لأنه كثوب أعصر ، أى عصر ، أو لف بالعصر ، فأصله مصدر ، وهو الزوبعة ، هابطة أو صاعدة ، وخصها بعض بالصاعدة ، إلا إن أراد بالصعود كونها طويلة إلى جهة السماء ، وسبب الهابطة أنه تنزل ريح من سحابة وتعارضها فى نزولها قطعة من السحاب تحتها ، فتكون بين ريح فوقها ودافع من تحتها ، فلا تستدير وتزداد تلويا بعوج المنافذ ، وسبب الصاعدة أن تصل المادة الريحية الأرض وتقرعها وتغلبها ريح أخرى فتستدير وتلتوى ، وقد تكون من تلاقى ريحين شديدين ، وقد تقطع الأشجار وتخطف المراكب فى البحر ، والنازلة القائف كالراقص ، والصاعدة لا يرى للفائفها إلا الصعود وتكونان أيضا بمحض قدرة الله سبحانه ﴿ فِيهِ نَارٌ ﴾ معنوية ، وهى شدة الحرارة ، أو حقيقية كنار الصاعقة ، وكما يراها هود عليه السلام وغيره فى ريح عاد فى الجو ﴿ فَاْحَتَرَقَتْ ﴾ ففقدها أحوج ما كان إليها لضعفه وعياله كذلك من قدم أعمالا صالحة ، كالإنفاق ، ويظنها نافعة ، وقد أفسدها بالمن والأذى أو الرثاء أو نحو ذلك ، فيفقد ثوابها يوم القيامة أحوج ما كان ، وذلك استعارة تمثيلية ، وقد روى عن ابن عباس ما ذكرته من العموم إذ قال ذلك الرجل عمل بالطاعة وسلط الشيطان عليه ، فعمل بالمعاصى حتى أحرق أعماله ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّينُ اللهُ لَكُمُ الأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ كى تتفكروا فى معانيها ، وتعلموا بها فتدركوا أن الدنيا فانية فتعلموا لما يدون ، أو ارجعوا التفكر فى ذلك واستعملوه .

٢٧٣ / ٦٬٢٣٦