تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة المؤمنون

الجزء المؤمنون · صفحة ٠
[سورة المؤمنون — آية 66]

﴿ بل قلوبهم فى غمرةٍ من هذا ﴾ إضراب لانتقال الكلام ورجوعه الى الكفرة بأنهم فى جهالة من هذا الذى دكرنا من أن أعمالهم مكتوبة عندنا ليعاقبوا عليها ، أو من هذا القرآن ، وقيل الاشارة الى ما عليه أولئك السابقون ، وقيل إلى الدين وقيل الى النبى صلى الله عليه وسلم والأول أولى ﴿ ولهم أعمال ﴾ سيئة كثيرة ﴿ من دون ذلك ﴾ غير ذلك المذكور من كون قلوبهم فى غفلة وصفها بقوله : ﴿ هم لها عاملونَ ﴾ وهى أنواع كفرهم ومعاصيهم ، ومنه الطعن فى القرآن كذا قيل ، وفيه أنه لا يتبادر أن الغمرة عمل أو دون بمعنى تحت ذلك ، وهى املعاصى التى ليست بإشراك ، وهذا اولى ، ويبعد ما قيل : إن الآية فى المؤمنين المذكورين تحيروا ، هل تقبل أعمالهم؟ وهل أدوا الفرائض ولهم أعمال طاعة أخرى نفل؟ ويرده قوله :

﴿ حتَّى إذا أخَذنا متْرفيهم بالعَذاب ﴾ فغن المعنى أنهم لا يزالون على تلك الأعمال ، حتى ينزل عذابهم ، وذلك فى الكفار ، ومعنى عاملون مستمرون على حملها ، ولام لها لتقوية اسم الفاعل ، وقدم لها للفاصلة ، وبطريق الاهتمام بذكر قبائحهم ، وحتى حرف ابتداء لا تخلو من غاية ، وهى تدخل على الجمل كما دخلت هنا على جملة أداة الشرط ، وما بعد من شرط ، وجواب مقرون بإذا الفجاءة وهما قوله :

﴿ إذا هم يجْئَرون ﴾ والمترفون المنعمون ، والجار الصراخ جزعا ، والعذاب قتلهم فى بدر ، وأسرهم ، صرخوا عند القتل وعند الأسر ، أو ذلك فى المجموع المترفون ، قتلوا والباقون جاروا على قتلى بدر شهراً فى مكة وجزت نساءهم شعورهن ، ويأتين يغرس القتيل أو راحلته ، ويسترنها بالستور ، وينحن حولها ، ويخرجن بها الى الأزقة ، ثم تزكوا خوف الشماتة او العذاب الجوع ، فإذا جاع المترف فغيره أولى بالجوع ، قال صلى الله عليه وسلم : « اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنيناً كسنين يوسف » فأجاب الله دعاءه ، حتى أكلوا الجلود والجيف ، والعظام والدم ، والشعر المختلطين ، وذلك قبل الهجرة على الصحيح ، وقيل بعدها ، وجمع بأنه وقع مرتين .

وروى أنهم سألوه صلى الله عليه وسلم ، فدعا فزال بعد سبع سنين ، وقيل المراد عذاب الآخرة ، ورجح بأنه الذى يتضرعون فيه الى الله عز وجل ، فلا يقبل ، ولعل هذا أسح لقوله تعالى :

﴿ لا تجْئروا اليَوْم ﴾ الى قوله : ﴿ تهجرون ﴾ فإن هذا مقول لهم فى الآخرة ، وأما يوم بدر فلم يتضرعوا ، وأما الجوع فلم يجبهم صلى الله عليه وسلم بالرد فيه ، وهذا على أن الجؤار صياح يتضرع لا مطلق صياح ، وذكر اليوم مبالغة فى أن جآرهم لا ينفعهم ، وزيادة فى الاقناط ، والجملة مفعول لقول محذوف على لسان الحال كقوله :

امتلأ الحوض وقال قطنى … مهلا رويداً ملأت بطنى

أو كلام يرسل الله به ملكاً أو يخلقه الله حيث شاء ، فيسمعونه كما قال : ﴿ اخسئوا فيها ﴾ الخ ﴿ إنَّكم ﴾ لأنكم ﴿ منَّا ﴾ متعلق بتنصر من قوله : ﴿ لا تُنْصرون ﴾ لخروج لا النافية عن الصدر ، لأنها لم تعمل عمل إن وللفاصلة وللتوسع فى الظروف ومن للابتداء ، أى لا يأتكم نصر منّا ينجيكم مما أنتم فيه لتكذيبكم ، كما قال :

﴿ قد كانَتْ آياتى تتلى عليْكُم ﴾ الخ أى لأنه قد كانت آياتى تتلى عليكم الخ ، وهذا التعليل يمنع ان تكون من بمعنى عن ، او تنصرون بمعنى تمنعون على معنى لا ينصركم عنا ناصر ، او لا يمنعكم منا مانع ، وكذا يمنعه أن الجوار ليس الى غيره فيمنعهم غيره المذكور كأصنامهم ﴿ فكنتم ﴾ لتلاوتها ﴿ على أعقابكم ﴾ مؤخرات الأرجل ، وهو تأكيد فى المعنى لقوله : ﴿ تنْكصون ﴾ ترجعون ، أى ترجعون الى وراء فى الطريق الأول ، كقولهم : رجع عوده على بدئه ، او النكوص مطلق الرجوع الى وراء ، وهو استعارة تبعية للاعراض عن سماعها أشد الاعراض .

٢٬٧٣٩ / ٦٬٢٣٦