سورة النمل
الجزء النمل · صفحة ٠﴿ أمَّنَ يَهْديكم فى ظلمات البرِّ والبَحْر ﴾ فى الليل بالنجوم والقمر ، وبطريق التبانين وهى نجوم صغار ، وبقطب الشمال لأهل الشمال ، وهو ثقبه ، وقيل : نجم أو ظلمات البر والبحر متشابهاته التشبيهة بالظلمة ، ولو فى النهار أو مطلق ذلك الشامل لليل أيضا ، استعمالاً فى الحقيقة والمجاز ، أو فى عموم المجاز ، وشملت الآية البحر المظلم ولو نهاراً ، وعلم الله الصنائع راكبيه حتى يخرجوا منه سالمين ﴿ ومن يُرسل الرياح بُشْرا ﴾ علامات خير ﴿ بَيْن يدىْ رحْمَته ﴾ قدام المطر ﴿ أإله مع الله ﴾ لا إله معه البتة ﴿ تعالى الله عَمَّا يُشْركونَ ﴾ لأنه المنفرد بأوصاف الألوهية ، ولذلك ذكر نفسه تعالى باسم الجلالة ، والمعنى تعالى عما يشركونه بالله سبحانه ، أو تعالى عن إشراكهم ، وتكرير كل ما كرر فى القرآن مثل ﴿ أإله مع الله ﴾ ﴿ وكيف كان عذابى ونذرى ﴾ ﴿ فبأى آلاء ربكما تكذبان ﴾ إنما هو حق وحكمة ، ولكل مكرر معلق غير معلق الآخر ، ومن ذلك الباب قول مهلل يرثى كليباً :
على أن ليس عدلا من كليب … إذا ما ضيم جيران المجير
على ان ليس عدلا من كليب … إذا رجف العضاة من الدبور
على ان ليس عدلا من كليب … إذا خرجت مخبأة الخدور
على ان ليس عدلا من كليب … إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على ان ليس عدلا من كليب … إذا خيف المخوف من الثغور
على ان ليس عدلا من كليب … عداة تأثل الأمر الكبير
على ان ليس عدلا من كليب … إذا ما حار جأش المستجير
﴿ أمَّن يَبْدأ الخلق ثمَّ يُعيدهُ ﴾ إضراب انتقال الى الاحتجاج بالإحداث والإفناء والإعادة ، وكل ما أفناه الله عز وجل من الأجسام والأعراض ، ولو لم يبق شىء ما فانه تعالى يرده بعينه ، وذلك فى البعث وغيره فى الدنيا والآخرة ، إلا أن المشركين لا يقرون بالبعث .
والجواب أن الكلام مع من أقر به منهم ، وفيه أن المقر به منهم غير معهود ، وأن المحل للعموم ، وقيل البعث متحقق الأدلة ولو عندهم ، فإنهم معترفون به ، ولو شهدوا أشياء تلفت ، ثم عادت بنفسها لحملت الآية عليه فى الدنيا ، وأما أن تفسر بافناء الأشياء ، ثم اعادة مثلها ، كولد يموت ثم يولد آخر ، فضعيف فيما قيل ، ولا ضعف فيه إذا علموا أن المبدئ لها والمفنى والمعيد لمثلها ، هو الله ، وأل فى الخلق للجنس ليشمل ما اختلف فيه ، كمطلق الحيوانات .
﴿ ومَن يْرزقُكم من السَّماءِ والأرْض ﴾ ماء وثماراً وما يتولد من الأرض للحيوانات سبباً للحم واللبن والعسل وغير ذلك ﴿ أإلهٌ مع الله ﴾ يقدر على ذلك ، ومن لم يقدر فليس بإله ﴿ قل هاتوا ﴾ على دعوى الشركة ﴿ برهانكم ﴾ حجتكم عقلية أو نقلية ، ولو ضعفت ولا يجحدونها ، أو حجتكم للقوية كما هو ظاهر لفظ برهان ، فذلك استهزاء بهم ، وليس المراد برهانكم على ان الله لا يفعل ذلك ، لأنهم لا ينكرون ذلك ﴿ إنْ كنْتُم صادقين ﴾ فى دعوى الشركة .