تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النمل

الجزء النمل · صفحة ٠
[سورة النمل — آية 88]

﴿ وتَرَى الجبال ﴾ بعينك عطف على ينفخ ، داخل فى حيز التذكير ﴿ تحْسَبها جامدةً ﴾ ثابتة لا تتحرك ، الجملة حال من ضمير ترى أو من الجبال ﴿ وهى تَمرُّ ﴾ بعد جمودها ، لا فى حاله لأن المرور مزايل للجمود ، والجملة الاسمية حال من ها ﴿ مرَّ السَّحاب ﴾ فى السرعة بريح حثيثة ، واختار السحاب فى التشبيه لأنها طويلة متضامة ، وما كذلك كالجبال لا تظهر حركته مجموعا لا لذهولهم للهول ، حتى حسبوها جامدة ، مع أنها تسير كما قال بعض ، وذلك كقول نابغة الجعدى فى وصف جيش :

باركين مثل الطود تحسب أنهم … وقوف لحاج والركاب تهملج

والحاج بتخفيف الجيم اسم جمع حاجة ، وقيل شبهت بالسحاب لكون سير السحاب متوسطاً كقول الأعشى :

كأن مشيتها من بيت جارتها … مرُّ السحاب لا ريث ولا عجل

وفى الآية تلويح بتفتتها كتفتت السحابة ، حتى تفنى ، والآية فيما بعد البعث لقوله تعالى : ﴿ ويسألونك عن الجبال ﴾ الى : ﴿ يتبعون الداعى ﴾ وقوله تعالى : ﴿ يوم تبدل الأرض ﴾ الى : ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار ﴾ لأن اتباع الداعى وهو إسرافيل ، والبروز لله تعالى بعد البعث تصدع الجبال وتندك فى نفخة الموت وتسييرها ، وتسوية الأرض حتى كأنها أرض أخرى ، أو هى أخرى يكونان بع البعث ، وقيل : الآية فى النفخة الأولى ، فلا يكون الخطاب فى ترى له صلى الله عليه وسلم ، بل لمطلق من يشاهد تلك الحالة ، أو يرى صلى الله عليه وسلم الجبال فى حياته بعينه جامدة ، ويوم القيامة تمر مرَّ السحاب ، واليوم فى هؤلاء الآيات عبارة عن الزمان والمتسع لما ذكر فيهن ، أو كما تقول جئته عام كذا ، أو شهر كذا ، والمراد فى بعضه ، وذكر بعض أن تبديل الأرض مرتان : مرة قبل النفخة الأولى ، ومرة بعد الثانية قال بعض إنها ترجف .

﴿ صُنْع الله ﴾ صنع الله ذلك صنعا ، أى ذلك امر عظيم ابتدعه لا يقدر عليه غيره ، وما بالك بفعل من لا يصدر منه إلا ما هو حكمة متقنة كما قال : ﴿ الَّذى أتْقن كلَ شىءٍ ﴾ قد خلقه ، فحذف الفعل والمفعول ، وأضاف المصدر الى الفاعل ، وهو مصدر مؤكد لقوله : ﴿ وهى تمرُّ مرَّ السحاب ﴾ أو لقوله : ﴿ ونفخ فى الصور ﴾ نحو : ابنى انت حقاً ، وهو مؤكد لغيره ، فان النفخ والمرور غير قوله : ﴿ صنع الله ﴾ لا مؤكد لنفسه نحو : له على ألف اعترافا ، فان قولك : له على ألف ، اعتراف بالألف ، فقولك اعترافا نفس ذلك ، ولا يصح أن يقال مؤكد لمحذوف ناصب ليوم ، أى يوم ينفخ فى الصور ، وكان كذا وكذا ، أثاب الله المؤمنين ، وعاقب الكافرين ، لأن التأكيد أن يذكر شىء ويزداد ذكر ما يقويه ، فالحذف ينافى التأكيد والاعتناء ، وإذا ورد مصدر أو فعل لله تعالى أخذ له منه اسم فنقول : الله صانع ، لكن هذا ورد فى حديث الطبرانى والحاكم :

« اتقوا الله تعالى فان الله تعالى فاتح لكم وصانع » إلا انه يحتمل أن يكون صانع فى الحديث بمعنى منعم .

وورد : أنبتنا لكم فنقول : الله منبت ، وما ورد مقيداً ولو بمقابلة استعمل كما ، ورد نحو : « انتم تزرعونه أم نحن الزارعون » وحديث : « يا صاحب كل نجوى وأنت الصاحب فى السفر » وقيل : يستعمل مطلقاً ، وأفعال المخلوق مخلوقة لله ، فهى متقنة ولو قبيحة بالكفر أو بالطبع ، لأن الحكمة اقتضتها ﴿ إنَّه خَبيرٌ بما تفْعَلون ﴾ تعليل جملى لكون النفخ وما بعده صنعاً محكما ، لأنه يجرى على علمه بما تفعلونه من خير أو شر ، جزاء واحتجاجا ، والخطاب عام ، وقيل : للكفار تهديداً لهم .

٣٬٢٤٧ / ٦٬٢٣٦