سورة القصص
الجزء القصص · صفحة ٠﴿ فسقى لهما ﴾ لوجه الله ، ولرقة قلبه لهما ، قبل صدور الرعاء لا طلبا للأجرة ، وقيل سألهما ليميلهما الى الاستغاثة به ، فأجابتاه على ظاهر سؤاله ، وعلى ما هو عندهما من التورع عن ملاقاة الرجال عموما ، فكيف الرعاء ومن شأنهم السفه ، ولم تجيبا بأنا ضعيفتان إذ لو شاءتا لتجلدتا ، ولكن منعهما الدين مع ان جوابهما يتضمن الاستعانة ، والمراد فعل الاستقاء الذى كفتا عنه ، ولم يتعلق غرض الكلام بالمفعول ، فلم يقل فسقى لهما غنهما ، ولا يصح ما قيل عن عمر : إنهما تذودان حتى فرغ الرعاء واطبقوا على البئر بصخرتها التى تطاق بعشرة رجال ، وقيل بأربعين ، فرفعها موسى وحده ، وسقى دلوا واحدة ، بارك الله تعالى فيها ، وروت بها ، لأن ظاهر الآية أنه سقى لهما عقب جوابهما ، والحال ان الناس فى السقى ، وأى داعٍ الى دعوى انه وجد الامرأتين بعد صدور الرعاء ، او الى اتساع الوقت الى صدورهم ، والى آخر ذودهما وأول صدورهم .
وعن ابن عباس : لما رأى ازدحامهم على الماء وذودهما قال : هل نم ماء آخر؟ فدلتاه على بئر مطبق عليها بصخرة ولا يطيقها نفر ، قيل : يرفعها عشرة ، وقيل : سبعة ، وقيل أربعون ، وقيل : مائة ، فأزالها وسقى غنمهما بدلو واحدة ، ولا تخلوا الأخبار عن تخليط ، إذ يحتاج الى هذا العدد ، وليس يوجد كل وقت ، وكيف يتصور لهم علاجها ، وكيف لا تنهدم البئر بها .
﴿ ثمَّ تَولَّى ﴾ ترتيب ذكرى بلا تراخ ، أو المراد علو شأن ما يترتب على هذا التولى من الاتصال بشعيب ، ومعاملته ، والتولى مطلق الذهاب مجازا ، وأصله الذهاب الى حيث كان قبل ، ولعله كان قبل فى ذلك الظل ، ويقرب منه ما زعم بعض انه جعل ظهره يلى ما كان وجهه من الشمس ﴿ الى الظِّل ﴾ ظل شجرة كما روى عن ابن مسعود فقيل : سمرة ، وقيل : ظل جدار لا سقف له ﴿ فقال ربِّ ﴾ يا رب ﴿ إنى لما ﴾ الى اسم موصول أو نكره موصوفة متعلق بفقير ﴿ أنْزلتَ إلىَّ من خَيرٍ ﴾ بيان لما نعت ثان لها أو حال منها ، او من الموصولة أو من الرابط لهما ﴿ فَقيرٍ ﴾ محتاج ، والماضى لتحقق وقوع نزول أو من الرابط لهما ﴿ فقيرٍ ﴾ محتاج ، والماضى لتحقق وقوع نزول الخير ، الخير ، كأنه قد نزل وهو ولو شق تمرة ، وقيل سأل الخبز أو الماضى على ظاهره ، وما أنزل اليه من الخير تفيقه الى السقى لهما ، فهو يرجو لذلك ثواباً من الله عز وجل فى الآخرة أو دينه ، أو فقير الى ثواب السقى ، او الخير الخروج عن فرعون كما فسره صلى الله عليه وسلم ، ولا يعرف فى العربية فقرته بمعنى طلبته ، فضلا عن أن يقال ما مفعول لفقير ، واللام للتقوية ، والجملة على كل للتضرع ودعاء .
ولمّا سمعتاه قال : ﴿ رب إنى ﴾ إلخ أسرعتا الى أبيهما شفقة لما فهمتا من جوعه ، ولكون أبيها يحب الضيف ويعتاده فقال : ما هذه السرعة؟ فقالتا : سمعناه يقول رب إلخ فقال لاحداهما : ادعيه .