تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة لقمان

الجزء لقمان · صفحة ٠
[سورة لقمان — آية 13]

﴿ وإذْ ﴾ اذكر اذ او ظرف لآتينا على طريق العطف ، وحذف المعطوف ، اى آتينا الحكمة اذ ﴿ قال لقْمانُ لابْنه ﴾ تاران قال الطبرى ، وابن قتيبة ، وقيل : اسمه مثان بثاء مثلثة ، وقيل : انعم بفتح الهمزة والعين ، وقيل : شاكر بفتح الهمزة والكاف ، وقيل : مشكم بفتح الميم والكاف ﴿ وهُو يَعظُه ﴾ حال من لقمان اولى من ابنه ، والوعظ زجر بتخويف او جلب بذكر الخوف ، او زجر وجلب معا ﴿ يا بنى ﴾ تصغير حب وشفقة ﴿ لا تُشْرك بالله ﴾ غيره فى عبادة ولا شئ فى شئ ، واختص بالله عز وجل كمن قال : إن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم احاط بعلم الله كله ، لا فرق بينهما : الا ان علمه حادث ومظروف وغير ذاتى ، وعلم الله قديم وذاتى ، وليس تعالى ظرفا له ، ومن قال ذلك اشرك ، وكان ابن لقمان مشركا فكان ينهاه عن الشرك حتى اسلم ، وكذا امراته .

وزعموا ان لقمان وضع جوابا من خردل ، فكلما وعظه اخرج خردلة حتى نفذ الخردل فقال : يا بنى وعظتك موعظة ، ولو وعظتها جبلا لتفطر فتفطر ، ولعل هذا كما قيل لم يزل يعظه ، حتى مات اى مات الابن ، ولعله ابن آخر له غير الذي اسلم ، وقيل ابنه مسلم ونهيه عن الشرك تخذير له ، وقيل الباء للقسم والجواب قوله :

﴿ إنَّ الشّرك لَظْلم عَظيمٌ ﴾ وما تقدم هو المتبادر ، وعلى كل حال ان هذه الجملة من كلام لقمان تعليل للنهى عن الشرك الموجود او عن الوقوع فيه او قسم منه ، وادعى بعض انها من الله عز وجل ، ومن حكمته ، قوله :

يا بنى ان الدنيا بحر عميق ، وقد غرق فيها ناس كثير ، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى ، وحشوها الايمان ، وشراعها التوكل على الله تعالى ، لعلك تنجو ، ولا أراك ناجيا .

وقوله : يل بنى إياك والدين فانه ذل النهار وهم الليل .

وقوله : يا بنى ارج الله رجاء لا يجرك الى معصيته تعالى وخف الله تعالى خوفا لا يؤسك من رحمتة تعالى شأنه .

وقوله : يا بنى حملت الجندل والحديد ، وكل شئ ثقيل فلم احمل شيئا هو اثقل من جار السوء ، وذقت المرار فلم اذق شيئا هو امر من الفقر .

وقوله : يا بنى لا ترسل رسولك جاهلا ، فان لم تجد حكيما فكن رسول نفسك .

يا بنى : اياك والكذب فانه شهى كلحم العصفور ، عما قيل بقلى صاحبه .

يا بنى احضر الجنازة ، ولا تحضر العرس ، فان الجنائز تذكرك الاخرة ، والعرس يشهيك الدنيا .

يا بنى لا تأكل شبعا على شبع ، فان القاءك اياه للكلب خير لك من ان تأكله .

يا بنى لا تكن حلوا فتبلع ، ولا مرا فتلفظ .

وقوله لابنه : لا يأكل طعامك الا الاشقياء ، وشاور فى امورك العلماء .

وقوله : لا خير لك فى ان تتعام ما لم تعلم ، ولما تعمل بما قد علمت ، فان مثل ذلك مثل رجل احتطب خطبا فحمل حزمة ، وعجز عن حملها ، فضم اليها اخرى .

وقول : يا بنى اذا اردت ان تؤاخى رجلا فاغضبه ، فان انصفك فى غضبه ، ولا فاحذره .

وقوله : لتكن كلمتك طيبة ، وليكن وجهك بسطا تكن احب الى الناس ممن يعطيهم العطاء .

وقوله : يا بنى انزل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ، ولا بذلك منه .

وقوله : يا بنى كن ممن لا ييتغى محمدة الناس ، ولا يكسب ذمهم ، فنفسه منه فى عناء ، والناس منه فى راحة

وقوله : يا بنى امتنع مما يخرج من فيك فانك ما سكت سالم ، وإنما ينبغى لك من القول ما ينفعك .

ومن حكمته قوله : من له من نفسه واعظ ، كمن له من الله عز وجل حافظ ، ومن انصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزا ، والذل فى طاعة الله تبارك وتعالى اقرب من التعزز بالمعصية .

وقوله : ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع .

وقوله : من كذب ذهب ماء وجهه ، ومن ساء خلقه كثير غمه ، ونقل الصخور من مواقعها ايسر من افهام من لا يفهم .

وشهد داود عليه السلام يسرد الدرع شهرا ، ولما تمت لبسها وقال : نعم لبوس الحرب انت ، فقال : نعم الصمت حكمة صبر على السؤال عنها حتى نطق داود بانها للقتال .

وساله داود كيف اصبحت؟ فقال : اصبحت بيد غيرى .

وامره سيده ان ياتى باطيب ما فى المشاة فاتاه باللسان والقلب ، ثم امره ان ياتى باخبث ما فيها فاتاه بهما وقال : هما اطيب شئ اذا طابا ، واخبث شئ اذا خبثا فاعتقه لذلك .

ولا تناقض فى قوله : كن عالما او متعلما ، ولا تكن ثالثا فتهلك ، وقوله : كن عالما او متعلما او مستعما ، ولا تكن رابعا فتهلك ، وقوله : كن عالما او متعلما او مستمعا او مجيبا ، ولا تكن خامسا فتهلك ، بل ذلك اجمال معقب بتفصيل ، فان المستمع والمجيب داخلان فى عالم ، والعالم والمتعلم يتصوران بالاستماع ، والمجيب اراد به المجيب بالعلم ، وايضا لا عالم الا بتعلم ، ولا تعلم الا بخطاب معلم ومواجهته ، او بسماع معلم بلا مواجهة ، ولا يتصور مجاوبة شرعية بلا علم .

وقال : لا مال كحصة ، ولا نعيم كطيب نفس ، وشر الناس الذي لا يبالى ان يراه الناس مسيئا ، وعن وهب : ان لقمان تكلم باثنى عشر الف باب من الحكمة ادخلها الناس فى كلامهم وقضائهم .

٣٬٤٨٢ / ٦٬٢٣٦