تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة فاطر

الجزء فاطر · صفحة ٠
[سورة فاطر — آية 18]

﴿ ولا تَزرُ ﴾ لا تحمل ، والوزر ، حمل ما شغل ، وسمى الوزير لأنه يحمل ثقل الرأى واستخراجه مع السلطان ، فليس يختص بالذنب ﴿ وزارةٌ ﴾ نفس ذات ذنب ﴿ وِزْر أُخْرى ﴾ مفعول به لتترر ، أى لا تحمل ذنب نفس أخرى أو حملها وهو الذنب ، ويجوز حمل تزر على معنى تذنب ، فيكون وزر مفعولا مطلقا ، أى لا تذنب ذنبها ، أو لا تتصف به فتخلو عنه الأخرى وتنجو ، بل تزر وزر نفسها وهو خلالها ، ووز الإضلال هو أيضا فعله من غير أن ينقص من وزر الضال التابع له شىء ، فللضال ذنبه ، وللضال المضل ذنبان كقوله تعالى : ﴿ وليحملنَّ أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ﴾ فكل ما فعله الضال فمثله لمضله ، وكذلك لا تزر غير الوازرة ، وزر الوازرة ، بل تنجو الا ان ضلت الأخرى باضلالها ، فعليها مثل وزرها ، لأنها أضلتها ، وخصت الآية بذكر الوازرة لأنها نزلت فى شأن المذنب الحامل لغيره على الذنب ، كما روى أن الوليد لعنه الله قال لقوم من المؤمنين : اكفروا بمحمد وعلىَّ وزركم .

﴿ وإنْ تَدْع مُثْقلةٌ ﴾ نفس أثقلها حملها نفسا أخرى وازرة أو غير وازرة ﴿ إلى حِمْلهِا ﴾ بأن تحمله عنها كله أو بعضه ﴿ لا يُحْمل منْه شىءٌ ﴾ لا تحمل منه شيئا ، ومن باب أولى لا تحمل منه شيئا إن لم تدع الى الحمل ، وأما حمل الكل ففى قوله : ﴿ لا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ واندفع التكرار بذلك ، ولا حاجة الى دفعه بأن الأول فى نفى الاجبار على الحمل ، والثانى فى نفى الحمل اختيارا إذ لا دليل على الاجبار إلا ما يتوهم من أن المراد لا يحكم الله بحمل الوزارة وزر الأخرى ، وأيضا الأول نزل فى اختيار الوليد لمن يدعوه الى الضلال ، وأيضا مضمون الأول الدلالة على عد الله ، والثانية أنه لا يستغاث من هول ذلك اليوم ، وإذا قيل ضرب ضارب زيدا ، فليس هناك إلا ضرب واحد ، والمعنى ذات حدث منها ضرب .

﴿ ولَوْ كان ﴾ أى النفس ، وجاز تذكيره لأن المراد الانسان مثلها ، أو الشخص أو المكلف ، أو ولو كان الداعى المعلوم من تدع ﴿ ذا قُرْبى ﴾ أى قرابة من المدعو ، وهذا أولى من أن يقال : ولو كان المدعو ذا قرابة من الداعى ، لأن المذكور هو المثقلة ، فرد الضمير اليها بالمعنى أولى وهى الداعى ، ولا ذكر للمدعوة هنا ، ﴿ إنَّما تُنذر الَّذين يخْشَون ربَّهم ﴾ أى يؤثر انذارك فيهم لا فى سائر من تنذر ، فاستعمل السبب فى المسبب ، وما خرج الا من هو شقى ، فكل من أنذر واتبعه فهو خاش لربه ، الا إن ختم له بالشقوة أو أفسد خشيته بترك اقامة الصلاة أو بغير ذلك ﴿ بالغَيْب ﴾ حال من الواو ، أى ثابتين فى الغيب عن عذاب الله أو عن الناس ، أو من رب ، أى غائبا عنهم لا يرونه ، أو غائبا عذابه اذا لم يحضر .

﴿ وأقامٌوا الصَّلاة ﴾ راعوها بشروطها وشطورها ، أو رفعوها بذلك كنار على علم ولو فى الغيب عن الناس ﴿ ومَن تَزكَّى ﴾ تطهر من الأوزار باجتنابها ، والخشبة واقامة الصلاة والتوبة من صغائرها وكبائرها ﴿ فإنَّما يتزكَّى لنَفْسه ﴾ لعود نفع تزيكة اليه ، ومن تدنَّس فعليه ﴿ وإلى الله ﴾ لا الى غيره ولا اليه والى غيره ﴿ المَصيرُ ﴾ الصيرورة ، فيجدد عنده لنفسه أو على نفسه ما قدم من خير أو شر يجازى به .

٣٬٦٧٨ / ٦٬٢٣٦