سورة آل عمران
الجزء آل عمران · صفحة ٠﴿ فِيهِ ﴾ أى فى حرمه ، فحذف المضاف ، أو فى الحرم المدلول عليه بالسياق ، أو فى البيت معبرا به عما يجاوره من الحرم ﴿ ءَايَآتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ واضحات على احترامه ، كانحراف الطير عن أن تعلوه فى طيرانها إلى الآن ، إلا إن مرضت فتدخل هواءه فوقه لتشفى ، وهذا لا ينضبط لكثرة ما تعلوه ، وكعدم تعرض السباع للصيد فى الحرم كما يتبع سبع من الطير أو الوحش طائراً أو غيره فيدخل الحرم ، فيرجع عنه ، ولقلة حجارة الرمى مع كثرة الرماة ، فإنها ترفع بالقبول ، وكل ركن منه وقع الغيث فيما يقابله من الأرض وقع الخصب فيما يليه من البلاد ، فإذا وقع فيها يقابل ركن اليمن وقع الخصب فى اليمن وهدذا ، أو آيات الحرم كلها آيات له ، لأنها من أجله ، وأما تعرض الهر لحمام مكة فلأنه تكيف بكيفية النَّاس المجاورين له ، فصار كالإنسان المتعدى فى الحرم ، إلا أنه لا إثم عليه ، وكقهر كل جبار قصده ، كأصحاب الفيل ، وكقوم من الإنجيلز قبل وقتى هذه بخمس سنين ، لبسوا لباس أهل التوحيد وجاءوا عرفة ، فنزلت صاعقة من السماء فأحرقتهم دون سائر أهل عرفة ، وذلك لحرمة البيت والمناسك ، ولو كانت عرفات خارجة عن الحرم ، والجملة إما مستأنفة وإما حال أخرى ، لا حال من ضمير للعالمين ، لأنه عائد لهدى ، فيكون المعنى ، هدى ثابتا للعالمين فى حال أن فى البيت آيات بينات ، ولا رابط من ضمير ، أو واو حال ، وإن رجعنا الهاء للهدى كان المعنى فى حات ثبوت آيات بينات فى الهدى ، وهذا لا يصح ، وإما حال من ضمير مباركا ، ولا يجوز أن يكون نعتا لهدى لما مر من منع الحال فيه ﴿ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ ﴾ منها مقام إبراهيم ، أو عطف بيان ، ولو اختلفا تعريفا وتنكيرا عند بعض ، الآيات نفس مقام إبراهيم ، أو عطف بيان ، ولو اختلفا تعريفا وتنكيرا عند بعض ، الآيات نفس مقام ، فالمقام هو الآيات ، لأن فيه أثر قدم إبراهيم ، وهو صخرة صماء وأنها غاصت فيه إلى الكعبين ، وأنه لن من بين الصخور ، وأنه باق ومحفوظ مع كثرة الأعداء آلاف السنين ، فبين إبراهيم والهجرة ألفان وثمانمائة سنة وثلاث وتسعون سنة ، وعلى زعم اليهود ألفان وأربعمائة واثنتان وأربعون سنة ، وذلك أثر قدم واحدة ، وقيل قدمين ، وهو الحجر الذى يبنى البيت وهو عليه ، ونادى عليه : أيها الناس ، حجوا بيت ربكم ، وتعمد عليه من ظهر راحلته فرجلت المسح عليه بالأيدى ﴿ وَمَن دَخَلَهُ ﴾ الهاء للبيت بمعنى الحرم عَلَى ما مر ، أو على الاستخدام ﴿ كَانَ ءَامِناً ﴾ أو لم يروا أنا جعلناه حرماً آمناً ، قال إبراهيم : رب اجعل هذا البلد آمناً ، يلتجىء إليه القاتل فلا يقتل حتى يخرج فى الجاهلية والإسلام ، ولا يؤوى فى الإسلام حتى يخرج فيقتل عندنا وعند أبى حنيفة ، وقال الشافعى وغيره : يقتل فيه ، وكذا الخلف إذا لزمه الرجم للزنا ، أو القتل للردة ، وإن فعل فيه موجب قتل فإنه يقتل فيه إجماعا .
قال عمر رضى الله عنه : لو ظفرت فيه يقاتل الخطاب ، يعنى أباه ، ما مسسته ، وقال ابن عمر : لو ظفرت فيه يقاتل عمر لم أمسه حتى يخرج ، ويقتص فيه يمادون القتل ، والجاهلية يخطفون المال من الحل ولا يخطفون من الحرم ، قال الله جل وعلا : ويتخطف الناس من حولهم ، وقيل : آمنا من النار ، قال صلى الله عليه وسلم : « من مات فى أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا » ، وعن ابن عمر . من قبر فى مكة مؤمنا بعث آمنا يوم القيامة ، وعنه صلى الله عليه وسلم ، الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وبنثران فى الجنة ، قال ابن مسعود وقف صلى الله عليه وسلم على ثنية الخجون ولا مقبرة فيها فقال : « يبعث الله تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر » ، وقال صلى الله عليه وسلم : « من صبر على حر مكة ساعة من نهار بتاعدت عنه جهنم مسيرة مائتى سنة » ﴿ وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حجُّ البَيْتِ ﴾ حج مبتدأ خبره الله ، وعَلَى متعلق بالله أ لأنه ناب عن ثابت أو ثبت المقدر ، متعلقاً به أو بالمقدر ، أو حالا من الضميرالمقدر ، لأن للعامل المعنوى لا يتقدم عليه معموله فى الأفصح ولو ظرفا ، وإن قدرنا الكون خاصا مثل واجب فلا ضمير فى الله ، وحذف لفظ واجب ، وهو خبر مع الضمير فيه ، فيتعلقان بواجب ، أو الثانى بحال من ضمير واجب ، والحج القصد ، أى القصد بوجه مخصوص ، وهو الإحرام والوقوف والطواف وسائر ما يجب فى ذلك ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ أى على مستطيعهم ، فمن بدل بعض من الناس ، والرابط محذوف ، أى من استطاع منهم ، ويضعف أن يراد بالناس مخصوص ، فيكون من يدل كل ، والمخصوصون من قدر بمعنى جنس القادرين الذين رأيتموهم يحجون ، وقدر بعض أعنى من استطاع ، وكون من فاعل حج فيكون الوجوب على المجموع لا عَلَى الجميع ، أو بمعنى يجب عليهم أن يأمروا مستطيعهم بالحج ، وعَلَى كل حال المراد المستطيع طريقاً بالزاد والراحلة كما رواه الحاكم والدارقطنى ، ودخل فيه أمان الطريق ومرافقته الأصحاب ، وروى الدراقطنى أيضا ، ظهر بغير ، وصحة الأبدان ، ووجود الدليل ، ووفقه الأهل الواجبة حتى يرجع ، إذ لا منفعة فى الزاد والراحلة مع عدم الدليل ، لأنهم يضلون ، ولا مع المرض إذ لا يتماسك عَلَى الراحلة ، أو لا يدرى كيف يؤذى ، ولا مع عدم الأصحاب لأن الواحد شيطان والاثنين شيطانان ، ولا مع الخوف من عدو أو سبع ، إذ قد يموت ، فأين الحج ، ولا مع تضييع حق الأهل فى النفقة ، ومن قدر عَلَى المشى لقوته أو للقرب لم تشترط له الراحلة ، فظهر أن ما ذكر فى الأحاديث السابقة ليس عَلَى الحصر ، وقد روى البهقى عنابن عباس موقوفا ، إن السبيل صحة البدن وثمن الزاد والراحلة من غر أن يجحف به ، وما ذكرته هو مذهبنا ومذهب أبى حنيفة ، وأما الشافعى فاقتصر عَلَى ما فى الحديث ، وأما مالك فيقول بالمال أو بالقوة ، فأوجب على القادر أن يحج برجليه ويكسب ، والآية تشمل المشركين ، فيجب عليهم أن يسملوا مطلقا ويحجوا إن استطاعوا ، وهم مخاطبون بالفروع لهذه الآية ونحوها كالأصول ، ولا إشكال فى قولك ، يجب عَلَى المشرك الحدج ، فإن لم يحج أو كفر بالحج فإن الله غنى ، نعم يثقل لأنه كان شرط الإسلام ، وأن الخطاب فى سائر العبادات للمؤمنين فليكن هذا من ذلك ، والآية حجة عَلَىأن الاستطاعة قبل الفعل ، وقولك هى مع الفعل لا قبله إلا الحج فقبله لا يتم ، إذ لا يتصور الفرق بين الحج وغيره ، والاستطاعة بمعنى سلامة الآلة قبل الفعل مطلقا ، وبمعنى علاجه معه مطلقا ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ بالله أو بالحج ، وقال ليس عبادة ، أو ليس واجبا ﴿ فَإِن اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ ﴾ مؤمنيهم وكافريهم ، جهنم وإنسهم ، وملائكتهم ، وإنما منفعة المطيع له ، ولا يحتاج الله لشىء ، وذلك الكافر ، لما نزل ولله الآية ، جمع صلى الله عليه وسلم المال الست وقال : إن الله كتب عليكم الحج فحجوا ، فآمنت به ملة ، وكفرت به خمس ، فنزل قوله تعالى : ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين ، ونزل فى خصوص أهل الكتاب ، لأنهم أحق بالإيمان قوله تعالى :
﴿ قُلْ يَأَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ تجحدون ﴿ بِأيآتِ اللهِ ﴾ القرآن وسائر الوحى إلىَّ وسائر معجزاتى الدال ذلك كله عَلَى صدقى فيما أقول ، من وجوب الحج وغيره ، وقيل المراد بقوله ، ومن كفر من لم يحج تغليظاً ، كأنه مشرك ، كما جاء فى الحديث ، من قدر ولم يحج بلا عذر ، فإن شاء مات يهوديا أو نصرانيا وكما هدد عمر أهل المستطيعين بضرب الجزية ، وقال والله ما هم بمسلمين ، والله ما هم بمسلمين ، والآية ظاهرة فى أن أهل الشرك ، ولو احتملت الكفر العام بكفر الشرك وكفر النفاق ، وفى الحديث ، ومن ترك الحج لا يخاف عقوبة ومن حج لا يرجو ثوابا كفر ، والله غنى عن العالمين ، وكان أهل الكتاب ينكرون وجوبه ، ونزلت الآية ردا عليهم ، كما قال ﴿ وَاللهُ شَهِيدٌُ عَلَى مَا تَعْمَلُون ﴾ فيجازيكم عَلَى تحريفكم وسائر أعمالكم ، وخصهم لأن كفرهم أقبح إذ معرفتهم بالآيات أقوى ، ويشاهدون صدقه فى كتبهم ، فهم كافرون بكتبهم إذ أنكروا ما فيها ، ولو زعموا أنهم آمنوا .