تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الزمر

الجزء الزمر · صفحة ٠
[سورة الزمر — آية 30]

﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم ميِّتُون ﴾ أراد المضى لتحقق الموت ، حتى كأنه وقع أو استعمل اللفظين فى الاستقبال ، كما قرىء : إنك مائت وانهم مائتون ، أى يستحدث لك ولهم الموت .

وماض نفوس الورى خالده … وللموت ما تلد الوالده

ولا يصح ما قال أبو عمر بن العلاء : لا يطلق ميْت بالسكان إلا على من مات ، وأن المشدد لا يطلق إلا على من سيموت ، بل هما يصلحان فى الكل ، والتخفيف قاعدة مطردة ، والمؤمنون دخلوا معه فى الخطاب بالكاف بتعا ، والهاء للكفار ، ويبعد أنها للمؤمنين والكافرين ومحل هذا الكلام هو قوله :

﴿ ثم إنَّكُم يَوم القيامة ﴾ قدم لإنكار الكفرة له ﴿ عنْد ربِّكم ﴾ قدم للحصر ، وتحقيق الحساب ﴿ تختصمُونَ ﴾ لمَّا لم ينتفعوا بضرب المثل ، أخبرهم بأنهم سيموتون ويبعثون ، ويعاقبون ، ويظهر المحق من المبطل ، وقيل : كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الموت ، فقال الله عز وجل : أن الكل ميت ، ولا وجه للتربص ، وشماته الفانى بالفانى ، وقيل ذلك نعى اليه واليهم بالموت ، وأكد فى أنهم لشدة غفلتهم حتى كأنهم أنكروا الموت ، أو لأن الموت مكروه للنفوس ، فكان مظنة أن لا يلتفت الى الأخبار به ، وأكد فى أنك للمشاكلة ، أو دفعا لاستبعاد موته ، لعل بعضا من المسلمين يظن انه صلى الله عليه وسلم يموت ، وذلك الاختصام أن يقول صلى الله عليه وسلم بلغتهم : ما أرسلت به إليهم ، ولجوا فى العناد ، ويقولون : أطعنا سادتنا وكبراءنا ، وجدنا آباءنا ، غلبت علينا شقوتنا ، ويناسب ذلك قوله تعالى : ﴿ فمن أظلم ﴾ الخ ﴿ والذى جاء بالصدق ﴾ ﴿ ضرب الله مثلا ﴾ ولا مانع من أن يكون الكلام فى الأمة عموما ، فالهاء فى أنهم ، والخطاب فى أنكم ، وربكم ، وتختصمون للأمة .

ويدل للعموم فى الأمة لا فيه صلى الله عليه وسلم والمشركين قول الزبير لما نزلت : ﴿ إنك ميت ﴾ الآية : يا رسول الله أنحاسب على ذنوبنا ، وعلى ما جرى بيننا؟ قال : « نعم حتى يؤدى الى كل ذى حق حقه » فقال : إن الأمر إذن شديد ، رواه إذن شديد ، رواه عبد الرازق ، والترمذى ، والبيهقى ، وأخرج الطبرى ، وعبد الرازق ، عن ابرايهم النخعى : أنه لما نزلت ، قال الصحابة : ما خصومتنا ، وأخرج سعيد بن منصور ، عن ابى سعيد عثمان قالوا هذه خصومتنا ، وأخرج سعيد بن منصور ، عن أبى سعيد الخدرى : لما كان يوم صفين علمنا أنه خصومتنا ، ومن قبل كنا نقول : ربنا واحد ، وديننا واحد ، فما هذا الاختصام ، وفى الطبرانى والنسائى ، عن ابن عمر : كنا نرى الاختصام بيننا وبين أهل الكتابين ، لأن نبينا واحد ، وديننا واحد .

وفى رواية : كنا لا ندرى فيمن نزلت حتى وقعت الفتن ، فعلمنا أن الآية فيها ، وهذه الروايات صريحات فى أن الآية فى الصحابة ومن بعدهم ، وأول من يختصم المرأة وزوجها ، تشهد أيديهما وأرجلهما ، ثم الرجل وخادمة كذلك ، ثم أهل الأسواق ، ولا دانق ولا قيراط ، لكن حسنات هذا تدفع الى هذا المظلوم وسيئاته توضع على هذا الظالم ، رواه الطبرانى ، عن أبى أيوب الأنصارى ، عنه صلى الله عليه وسلم ، لكن وضع سيئات المظلوم على الظالم كلام موضوع ، لا يصح إلا أن يكون على بمعنى عن ، أى توضع عن الظالم ، أى لا يؤخذ بها ، وكذا حديث :

« إن فنيت حسناته وضع عليه من ذنوبه » موضوع ، وعن عقبة بن عامر : « أول خصمين يوم القيامة جاران » رواه الطبرى مرفوعا ، وروى عن ابن عباس موقوفا : أو خصمين الروح والجسد ، ولعل الأولية فى ذلك إضافية ، كل واحد أول لما بعده ، فيقدم ما هو أقرب كالروح والجسد ، فالزوجان ، فالجاران وجاء عنه صلى الله عليه وسلم : « لختصمن كل شىء حتى الشاتان يقتص للجاء من القرناء » وهذا تمثيل ، فان مراده صلى الله عليه وسلم ما يعلم اقتصاص القرناء من القرناء اذا لم تنطح أو نطحت أقل مما نطحت .

٤٬٠٨٨ / ٦٬٢٣٦