تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة غافر

الجزء غافر · صفحة ٠
[سورة غافر — آية 11]

﴿ قالُوا ﴾ إذعانا لقدرة الله علىلبعث ﴿ ربَّنا ﴾ يا ربنا ﴿ أمتَّنا اثْنَتَيْن ﴾ اماتتين اثنتين ﴿ وأوحْييتنا اثْنَتيْن ﴾ احيائتين اثنتين ، فالنصب على المفعولية المطلقة على القياس من لفظ الفعل ، ولاحاجة الى دعوى خلاف الأصل من تقدير اسم مصدر الفعلين ، هكذا موتتين اثنتين ، وحياتين اثنتين ، وتفسر اسم المصدر بالمصدر ، فليقدر المصدر من أول أولى من تقدير فعل ثلاثى ومصدره والأصل عدم الحذف ، أى أمتنا فمتنا موتتين اثنتين ، وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين .

روى ابن جرير ، عن ابن عباس ، والحاكم ، عن ابن مسعود : أن الاماتة الأولى خلقهم أمواتا ، والثانية اماتتهم لأجلهم ، والاحياءة الأولى نفخ الروح فيهم ، وهم فى البطون ، والثانية نفخ الروح فيهم يوم البعث كقوله تعالى : ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ﴾ ويجوز اعتبار موت النطفة بانفصالها عن الصلب ، وهى فيه حية حال خروجها أيضا ، واطلاق الامانة على خلق الشىء بلا روح مجاز ، والحقيقة سلب الحياة مما هى فيه ، وذلك من باب حمل الفعل على الصرف على غيره .

فمعنى أماتهم أولا : صرف الحياة عنهم ، أى تركها كوسع الدار ، ووسع الباب بمعنى أنه بناها من أول الأمر واسعين ، ولا يشترط فى ذلك القدرة على المصروف عنه كما يوهم كلام بعض المحققين ، وذلك كقولنا : سبحان من صغر البعوضة ، وكبر جسم الفيل ، وليس فى ذلك نقل من كبر الى صغر ، ومن صغر الى كبر ، وذلك أن الكبر والصغر جائزان فى الشىء واذا صرفه عن أحدهما فصرفه كنقله عنه ، وجعل بعضهم ذلك استعارة بالكتابة ، يترتب عليها المجازالمرسل ، وفى ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ، وهو عدم الحياة هكذا مطلقا والاحياء والحياة لا يحتاجان الى سبق موت مسبوق بالحياة ، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز فى الاحساء المذكور فافاضة الروح على الجنين احياء حقيقة ، وعلىلموتى يوم البعث حقيقة أيضا .

وقال السيد : الاماتة الأولى أماتتهم لأجلهم ، والاحياءة الأولى احياءهم فى القبر للسؤال ، والاماتة الثانية اماتتهم الى قيام الساعة بعد الاحياء للسؤال ، والاحياءة الثانية ايحاءهم فى البعث ، ولا يبحث بأن فى ذلك ثلاث احياءات ، لأنه لم يذكر حياة الدنيا ، لأن انكارهم فى الدنيا انما هو لاحيائهم فى القبر ، واحياءهم للبعث ، ولم يفسر كلامهم بالثلاث ، وهو فى الآية باثنين ، ولا اشكال فى ذلك ، وقال ابن زيد : أحاؤهم نسما عند « الست بربكم » واماتتهم بعد أخذ العهد ، واحياءهم فى الدنيا ، واماتتهم فيها ، ثم احياءهم أى فى القبر على أن يعده ، ويعد احياء البعث واحدا ، أو أراد احياء البعث ، ولا يبحث بأن فيه احياءات واماتات ، أنه لم يفسر الآية ذلك ، بل أراد ذكر ما كان .

وعبارة بعض الصوفية عدوا أوقات البلاء والمحنة أربعة : الموتة الأولى فى الدنيا ، ثم الحياة فى القبر للسؤال ، والموتة الثانية فى القبر ، ثم الحياة للجزاء ، ولم يعدوا الحياة الدنيا لأنها ليست من أقسام البلاء ، وقيل حياتان : حياة الدنيا وحياة الآخرة ، وموتتان : الموتة الأولى فى الدنيا ، ثم الموتة الثانية فى القبر بعد حياة السؤال ، ولم يعدوا حياة السؤال لقصرها ، ويشكل فى الباب ما ورد من الأخبار فى تعذيب الكفار فى قبورهم استمرارا ، وتعدد حياتهم وموتهم فيها مع العذاب ، كلما رجع اليهم أرواحهم ، ولا يصح أن يقال : التثنية فى الآية للكثير ، فتشمل الاحياءات كلها ، والاماتات كلها ، مثل :

﴿ فارجع البصر كرتين ﴾ وفلان يفعل كذا مرة بعد أخرى ، يراد أنه يكثر فعله ، لأن ذلك يصح اذا لم يذكر لفظ اثنتين والثنتين ، أما اذا ذكر فلا .

﴿ فاعْتَرفْنا بذُنُوبنا ﴾ بسبب الاماتتين والاحياءتين التى شاهدنا من انكار البعث ، وسائر المعاصى ﴿ فَهَل إلى خُروجٍ ﴾ ما من النار الى الدنيا ، أو موضع من المواضع ندارك فيه ما فات ، والظاهر أنهم أرادوا الخروج العاجل ، ويحتمل أن يريدوا العاجل والآجل وهو خبر ﴿ مِنْ سَبيلٍ ﴾ مبتدأ ، ومن صلة للعموم أى الى سبيل ما ولو ضيقا أو قليلا أو عسرا ، واديب طمعهم فى الخروج بالاقناط فى قوله تعالى :

﴿ ذلِكُم ﴾ الخ أى تستمرون فى النار كما استمررتم على الشرك ، حتى متم لا خروج لكم ، وهذا أولى من أن يقال : أرادوا بقولهم : فهل الخ غير ظاهره من طلب الخروج ، بلكلاماً يقوله القانط تعللا وتحيزاً ، ولا يقال : لو أريد الخروج ليتداركوا لقال : اخسئوا فيها ، لأن فى معناه قوله تعالى : ﴿ ذلكم ﴾ وقد يناسب ارادة التسحر دون الطمع فى الخروج قوله تعالى : ﴿ ذلك بأنه ﴾ الخ أى ذلكم الذى أذعنتم لدوامه من العذاب ، وتحسرتم فيه ، أو ذلكم المقت بأوجهه السابقة ﴿ بأنَّه ﴾ أى ذلكم العذاب الذى أنتم فيه ثابت دائم بسبب أنه ، أى أن الشأن ﴿ إذا دُعِىَ الله وحْدَه ﴾ أى عبد وحده ، أو ذكر بالألوهية وحده ، ووحده فى معنى اسم مفرد غير مضاف هو حال ، أى منفردا أو هو مصدر مفعول ملطق لمحذوف هو حال ، أى يوحده وحده .

﴿ كَفَرتُم ﴾ بتوحيده ، تعالى : ﴿ وإنْ يُشْرك بهِ تُؤمنُوا ﴾ بالاشراك وتعتقدونه ﴿ فالحُكْم لله ﴾ الَّذى لا يقضى إلا بالحق ﴿ العَلىِّ الكَبير ﴾ المتصف بغاية العلم والحكمة وعلو الشأن ، فيشتد عقابه على العصاة بحسب ذلك ، فيكون بنار دائمة .

٤٬١٤٤ / ٦٬٢٣٦