سورة الزخرف
الجزء الزخرف · صفحة ٠﴿ يطاف ﴾ الغيبة على طريق الالتفات ﴿ عليَهم ﴾ فى الجنة بعد دخولها ﴿ بصِحافٍ مِن ذهبٍ ﴾ مملوءة طعاما بقصاع من ذهب ، وقيل الصحفة أعظم من القصعة ، يقال على الترقى ، الكلية ، ثم القصعة ، ثم الصحفة ، ثم الجفنة ﴿ وأكْوابٍ ﴾ منه أو من ذهب مملوءة شراباً بدليل الأول جمع كوب بمعنى كوز لا عروة له ، قيل : هو دون الإبريق ، ويقال : هو مدور الرأس ، وجمع جمع القلة ، وإناء الطعام جمع الكثرة ، لأن أوانى الشرب أقل من أوانى الأكل ، فعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ان أسفل أهل الجنة أجمعين درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم ، بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب ، والأخرى من فضة ، فى كل واحدة لون ليس فى الأخرى مثله ، يأكل م آخرها مثل ما يأكل من أولها ، يجد لآخرها من الطيب ما يجد لأولها ، ثم يكون ذلك كرشح المسك الأذفر ، لا يبولون ولا يتغوَّطون ولا يتمخطون ، اخوانا على سرر متقابلين » رواه ابن المبارك ، والطبرانى ، وعن عكرمة : « أن آخر أهل الجنة دخولا وهو أدناهم منزلة يفسح له فى بصره مسيرة عام فى قصور من ذهب ، وخيام من لؤلؤ ، ليس فيها موضع شبر غير معمور يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة ، فى كل صحفة لون ليس فى الأخرى ، شهوته فى آخراها ، كشهوته فى أولها ، لو نزل عليه أهل الدنيا لوسعهم ، ولم ينقص ذلك » أسألك اللهم ذلك لنا .
﴿ وفيهَا ﴾ فى الجنة ﴿ ما تَشْتهيه الأنفُس ﴾ من فنون الملاذ زايدة على ذلك الذى يطاف عليهم به ، وهذا تعميم بعد تخصيص ، كما أن قوله تعالى : ﴿ وتلذُّ الأعين ﴾ تخصيص بعد تعميم ، فان ما تلذه الأعين بعض ما يدخل فيما تشتهيه الأنفس ، بل لا لذة للعين بلا واسطة النفس ، فلو فتحت عين النائم أو السكران لم تدرك شيئا فضلا عن أن تلذه ، والعين جاسوس للنفس ، وهىلتى أرسلته ، ولو غابت عنها لم تعقل شيئا ، ولو كان يقظانا صاحيا ، ولا تشتهى النفس فيها ما هو خبيث كنكاح ذوات المحارم واللواط ، ولا يخطر فى النفس ذلك ، ولا ما هو مستحيل كرؤية البارئ ، ولا يخطر بالبال فضلا عن أن يشتهى أو يوسوس به ، ولا وسواس فى الجنة .
وقد قيل لا أدبار لأهل لاجنة ، لأنهم لا يتغوطون ، ولا ريح فى البطون لطعام يخرج منه ، ولا أقول بذلك وهو نقص مما هو عليه والفرض أنهم يبعثون فيهم باقون على ماهم عليه فى الدنيا ، إلا أنه لا روث ولا بول ولا ريح فى البطن ، وتقدم أنهم يمطرون كواعب أترابا ، ولهم ما يشتهون من أكل أو شرب أو لباس او مركب ، كفرس أو أنعام كابل ، كما قال رجل : يا رسول الله أحب الخيل ، قال :
« لك الخيل من الياقوت الأحمر ، تطير بك حيث شئت » وقال آخر : يا رسول الله أحب الابل قال : « لك الابل وما تشاء لن دخلتها » وفى رواية الترمذى أنه صلى الله عليه وسلم أجاب صاحب الابل بقوله : « ان أدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ، ولذت عينك » وأنه لم يجبه بما أجاب به صاحب الخيل .
والولد لمن اشتهاه ، قال صلى الله عليه وسلم : « ان المؤمن اذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله ووضعه وسنه فى ساعة كما يشتهى » رواه أحمد وابن ماجه ، والترمذى والبيهقى ، وروى الطبرانى ، وابن حبان عنه صلى الله عليه وسلم : « تلذونهن ويلذذنكم كلذاتكم فى الدنيا غير أن لا توالد » أى لا توالد كتوالد الدنيا بطول وأطوار وتألم ، ودم ووسخ ، ومشيمة ، فيكون الولد من نسيم يخرج من الزوج « وجاء الخبر : » أنه لا منى فى الجنة « ولعل المراد لا منى منتن كمنى الدنيا ، فقد يكون منه الولد بلا سوء ، وليس أهل الجنة كلهم يخطر فى قلوبهم الولادة ويشتهونها ، فضلا عن أن يقال تضيق بهم الجنة ، بل لو كانوا كلهم يلدون لم تضق ، ولعل قائل ذلك راعى أنه لا موت فيا ، ولا انقطاع لها ، فاذا كانت الأولاد تزيد ولا تموت مع دوام ، فلا شك أنها تمتلىء ، لكن الله قادر على أن لا تزال تتوسع .
وأل فى الأنفس والأعين للعهد ، وهى أنفس أهل الجنة وأعينهم ، أو للجنس ، أو للاستغراق ، ووجهه أن كل واحد منهم له ما يشتهى وتلذه عيناه ، لا أنهم كلهم يجتمعون على حب شىء ، أو نائبة عن المضاف اليه ، أى أنفسهم وأعينهم ، وما شاملة يلذ الأعين ، ويحتاج تلذ لو أبدل لأنه عطف على الصلة ، أى وتلذه الأعين ، واختار جماعة تقدير موصول هكذا : وما تلذه الأعين .
﴿ وأنتُم فيها ﴾ فى الجنة ، وقيل : فى الملاذ المذكورة ﴿ خالدون ﴾ دائمون عطف على فيها ما تشتهيه الأنفس ، وفيه رجوع الى الخطاب ، والجمل بينهما معترضة ، وقيل هذا الخطاب التفاوت للتشريف ، وفى ذكر الخلود تأكيد فى المعنى لقوله : ﴿ لا خوف عليكم ﴾ لأن زاوال النعمة ضرر مخوف ، وموجب لكلفة التحفظ قال :
وإذا نظرت فإن بؤسا زائلا … للمرء خير من نعيم زائل