سورة الأحقاف
الجزء الأحقاف · صفحة ٠﴿ قُل ﴾ يا محمد توبيخا لقومك ، وآخر القول صادقين أو كافرين ﴿ أرأيتم ما تَدعُون مِنْ دون الله ﴾ من الأصنام وغيرها ﴿ أرونى ﴾ تأكيد لا رأيتم وكلاهما بمعنى أخبرونى ﴿ ماذا ﴾ اسم واحد مركب مفعول مقدم ، لقوله تعالى شأنه : ﴿ خَلقُوا ﴾ والمجموع مفعول ثان معلق عنه بالاستفهام ، أو مبتدأ وخبر ، وخلقوا صلة ما ، والرابط محذوف أى خلقوه ، والمجموع مفعول ثان ، ومن العجيب جعل ذا زائدة ، وما مفعولا مقدما ، ومنه جعل ذلك من باب التنازع ، لأن الضمير لا يرجع الى الجملة ، إلا إن أريد لفظها ، والمهمل من المتنازعين لا بد أن يعمل فى ضمير المتنازع فيه ﴿ مِن الأرض ﴾ من أجزاء الأرض ، أو من مظروفات الأرض كمائه اوبحارها وأشجارها وجبالها وحيوانها ، أو أرض من الأرضين السبع ، ومن للبيان متعلق بمحذوف حال من الهاء فى خلقوه المقدرة ، أو من ماذا مركبا أو من ذا .
﴿ أم لَهُمْ ﴾ بل ألهم أو ألهم بناء على أن أم المنقطعة استفهامية بدون بل دائما حيث كانت ، وعلى كل حال لا بد أن يتقدما كلام ، ولو كانت للاستفهام ، ولا تكون معادلة كما تكون المتصلة فيقال : هل قام زيدم أم قعد ، تريد أقعد بالاستفهام ، لأن هل لا يؤتى لها بمعادل كما شهر ، وذكر الفرى عن ابن مالك أنه أجاز الاتيان بمعادل بعد هل إذا كانت هل بمعنى همزة الاستفهام ، وعليه فتقول : هل قام زيد أم قعد ، سواء كانت أم متصلة أم منقطعة ، ويجوز أن تكون هنا متصلة ، وقيل متصسلة على تقدير ألهم شرك فى الأرض ، أولهم شر فى السموات ، وفيه حذف بلا داع ، ولا دليل ، وليس صحة المعنى دليلا ، وانما الدليل ما يوجب الشىء ﴿ شِركٌ ﴾ شركة مع الله سبحانه .
﴿ فى السَّموات ﴾ السبع ومظروفها أو فى العلويات الشاملة لهن ، وللعرش والكرسى انتفت ألوهية ما عبدوا من دون الله تعالى انتفاء بليغا لأنهم لم يخلقوا شيئا فى الأرض ، ولا منها فضلا عن العلويات ، ولا شركة لهم فيها ، وخص انتفاء الشركة فى السموات بالذكر لانقطاع شبههم بهن إذ لهم صورة تملك فى الأرض وما فيها ، وذلك كقول ابراهيم : ﴿ فأت بها من المغرب ﴾ ﴿ ائتونى بكتاب ﴾ من الله يبيح عبادة غيرى الله عز وجل ﴿ مِن قبَل هَذا ﴾ قبل هذا القرآن النازل بالتوحيد ﴿ أو أثارةٍ مِنْ عِلمٍ ﴾ بقية من علم مصدر كالضلالة ، ومن للبيان وتنكير علم للتبعيض أى باق هو علم من علوم الأولين صحيحة فى اباحة عبادة غير الله عز وجل ، تقول العرب : سمنت الناقة على أثارة من لحم ، أى على باق منه ، أو الأثارة الرواية كما تقول : جاء فى الأثر كذا ، قال الأعشى من السريع :
أنا الذى فيه تماريتما … بين للسامع والآثر
أى للسامع ومتتبع الأثر بعينيه ، أو الأثارة الخاصة من علم يقال آثرة بكذا خصه به أى أثار من علم خصوا بها ، أو العلامة ، أو علم الرمل كما روى ابن عباس موقوفا ومرفوعا أو أثارة من علم أنها الخط ، وعن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه سلم : « كان نبى من الأنبياء بخط ، فمن صادف مثل خطه علم » ، وعن ابن عباس رضىلله عنهما أو أثارة من علم خط كان يخطه العرب فى الأرض ، وذلك تشري لعلم الرمل ان لم يدخل فيه ما لا يجوز فى الدين ، وذلك تهكم بهم وبدلائلهم بأى وجه ، فسرت الأثارة ، أو الأثارة كتابة بالقلم أى شىء مكتوب ، والكتابة قديمة لغير العرب حادثة فى العرب ، ولا سيما اهل الحجاز فقيل نقلت اليهم من أهل الحيرة ، وأهل الحيرة من أهل الأنبار .
وقال الكلبى الناقل للخط العربى من العراق الى الحجاز حرب بن أمية ، قدم الحيرة فعاد الى مكة به ، قيل لابنة أبى سفيان ممن أخذ أبوك هذا الخط ، قال : من أسلم بن أسدرة ، وسألت أسلم : ممن أخذته؟ قال : من واضعه مرامر بن مرة ، وكان لحمير كتابة يسمونها المسند منفصلة غير متصلة ، وكان لها شأن عندهم ، فلا يتعاطاها إلا من أذن له فى تعلمها ، ويقال : كاتب الأمم اثنا عشر صنفا : العربية ، والحميرية ، والفارسية ، والعبرانية ، واليونانية ، والرومية والقبطية ، والبربرية ، والأندليسة ، والهندية ، والصينية ، والسريانية .
﴿ إنْ كنْتُم صادقين ﴾ فى دعوى اباحة الاشراك ، ولا تصح أبدا بدليل عقلى ولا نقلى ، وصح بطلانها بهما ، ولا تقل فى مثل هذا : إن الجواب محذوف دل عليه ما قبله قل ما تقدم أغنى عن الجواب ، فان القائل : قوموا ان قام زيد ، لا يعنى قوموا ان قام زيد فقوموا ، فكيف يقدر ما لا يعنى ، ولو ادعيت العناية لزم أن مثل ذلك أبدا مؤكد بالتكرير ولو بغير محل التكرير ، ولا تجد من نفسك عناية للمحذوف .