سورة الأحقاف
الجزء الأحقاف · صفحة ٠﴿ قُل أرأيتُم إنْ كانَ ﴾ ما يوحى الى من القرآن ، ولو كان الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم لقال : ان كنت وكفرتم بى إلا أن يدعى أنه عبر عن نفسه بالرسول ، فرد الضمير اليه ، وهو خلاف الظاهر ﴿ مِن عنْد الله ﴾ لا سحر أو لا مفترى ، ولا تعليم بشر ، ولا أساطير الأويلن كما تزعمون ﴿ وكفرتم به ﴾ عطف على مكان من عند الله كما عطف بثم فى مثله ، وهو قوله تعالى : ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ﴾ وأى داع الى جعله حالا مع صحة العطف بلا ضعف ، ومع أن الأصل فى الواو العطف لا الحالية ، ومع أن الحال تحتاج الى تقدير قد ، أو أنتم قبل كفرتم أو الى المساهلة بعدم التقدير ، وذلك أن الفعل ماض متصرف مثبت .
﴿ وشَهِد شاهِدٌ مِن بنى إسرائيل على مثله ﴾ مثل ما يوحى الى من القرآن ، وان رددنا ضمير كان الى الرسول رددنا اليه الهاء والحق أن الهاء للقرآن ، وفخم شاهد بالتنكير ، وبوصفه بأنه من بنى اسرائيل العالمين بشئلان الوحى ، بما أتوه عن التوراة ، فاذا شهد على مثل القرآن بما فى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك ، كانت شهادته شهادة بالقرآن ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ وانه لفى زبر الأولين ﴾ ﴿ ان هذا لفى الصحف الأولى ﴾ والمثلية تأدية ما فى القرآن بعبارة أخرى ، أو بأنه من عند الله ، أو على مثل شهادة القرآن لنفسه بأنه من الله ، كأنه لا عجازه يشهد لنفسه بأنه من الله عز وجل ، وقيل مثل كناية عن القرآن نفسه مبالغة كقولك : مثلك لا يفعل كذا ، تريد أنت لا تفعله ، واذا رد الضمير الى الرسول فامثل موسى عليه السلام .
﴿ فآمَنَ ﴾ بالقرآن أى ظهر ايمان ذلك الشاهد به ، بسبب شهادته المطابقة للوحى ، ويجوز أن تكون الفاء للتفصيل ، فايمانه به هو الشاهد له ، وكذا ان رددنا الضمير الرسول ، فانه اذا شهد بمثله فقد شهد به ، فاذا شهد به فقد آمن به ، فانه اذا شهد أن صفته صفة النبوة ، فقد شهد له بها ، أو المثل هو الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم ﴿ واسْتَكْبرتم ﴾ عن الايمان ، والعطف على شهد شاهد ، أو على آمن ، لأن الايمان مقابل الاستكبار عن الايمان ، والمجموع معطوف معنى على الشرط .
قال بعض المحققين : مجموع شهد شاهد ، وآمن واستكبرتم ، معطوف على مجموع كان من عد الله ، وكفرتم به ، مثل عطف مجموع الظاهر والباطن على مجموع الأول والآخر من المفرد فى قوله تعالى : ﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴾ قلت : هذا اعراب معنى لا سصح صناعة ، والأعراب الصناعة عطف كل واحد علىلأول ، الا ان كان العواطف مرتبة ، فكل واحد على متلوه ، أو اقترن بشيئان متناسبان ، فانه يعطف أخيرهما على أولهما ، مثل لفظ الظاهر والباطن ، ولا يتكرر استكبرتم مع كفرتم ، لأأن الاستكبار بعد الشهادة ، والكفر قبلها ، ولا مفعول لأرأيتم ، لأن معناه أخبرونا بالواقع ، والجملة مغنية عن جواب ان ، وقدر بعض أرأيتم حالكم ان كان من عند الله الخ ، فقد ظلمتم ، ألستم ظلمتم باحالكم مفعول أول ، والثانى ألستم ظلمتم معلق عنه ، وقد ظلمتم جواب ، وقدر الحسن الجواب :
﴿ فمن أضل منكم ﴾ لقوله تعالى : ﴿ قل أرأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو فى شقاق بعيد ﴾ وقدر بعض فمن المحق منَّا ومنكم ، ومن المبطل ، وقدر بعض تهلكوا وبعض جعله آمن أى فقد آمن محمد به ، أو فقد آمن الشاهد .
وقدر بعض : أفتؤمنون لدلالة فآمن ، وأجاز بعض أن يكون قوله : « إن كان » الخ سادا مسد مفعولى رأيتم ، ويرده أنه لا يجوز ذلك بلا معلق ، والشاهد عبد الله بن سلام عند الجمهور ، وعليه ابن عباس ، فتكون الآية مدنية ، ويجوز أن تكون مكية ، نزلت لما سيكون كما أن القرآن كله خلق قبل آدم ، وما نزل قوله تعالى : ﴿ كما انزلنا على المقتسمين ﴾ أى أنذر قريشا مثل ما أنزلنا على قريظه ، والانزال على المقتسمين بعد نزول الآية بسبع سنين ، فان كان ايمانه بعد نزول الآية فظاهر ، ولا فلا مانع من أن يقال : ارأيتم ان كان كذا مع أنه قد كان ، فكون تذكيرا بالواقع ، واستشهادا به ، وقيل : نزلت فى المدينة ، والخطاب فيه لقريش .
دخل صلى الله عليه وسلم وعوف بن مالك كنيسة اليهود يوم عيد ، فقال ثلاث مرات : « ليؤمن منكم اثنا عشر رجلا يسقط الله تعالى عنكم الغضب » فلم يجيبوه ، فقال : « والله أنا الحاشر وأنا العاقب وانا المقفى ، آمنتم أو كذبتم » فانصرف على قرب من الباب ، فلحقه عبد الله بن سلام وقال قف ، فقل : ما أنا فيكم يا معشر يهود؟ فقالوا سيدنا وابن سيدنا ولا أعلم منك ولا من أبيك ولا من جدك ، قال : انك النبى الذى نجده فى التوراة والانجيل ، قالوا : شرنا وابن شرنا كذبت ، وقيل : أسلم فقال : أدخلنى بيتا واسألهم عنى فانهم قوم بهت ، ففعل وسألهم فمدحوه بما مر ، وقال : « أرأيتم ان أسلم؟ » قالوا حاشاه ، فخرج وأظهر اسلامه ، وقالوا شرنا وابن شرنا ، فقال : هذا ما أخاف منهم يا رسول الله .
وفى البخارى ومسلم ، عن سعد بن أبى وقاص : ما سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول لحى يمشى على الأرض انه من أهل الجنة الا لعبد الله بن سلام ، وانه الشاهد فى الآية ، بلغه قدوم النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى نخله ، فجاءه فقال أسألك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبى : وما أول أشراط الساعة ، وما أول طعام يأكله أهل الجنة ، وبم يشبه الولد أباه أو أمه ، فقال :
« أخبرنى بهن جبريل آنفا » فقال عبد الله بن سلام : هو عدو وايلهود ، فقرأ صلى الله عليه وسلم : ﴿ من كان عدوّاً لجبريل فانه نزله على قلبك ﴾ وقال : « أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق الى المغرب - يعنى الى الشام لأنه غرب المدينة- وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت الحامل للدنيا ، وان سبق ماء الرجل أشبه الولد ، وان سبق ماؤها أشبهها » فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، أنك رسول الله ، اسأل اليهود عنى الى آخر ما مر .
وروى سعيد بن جبير : الشاهد هو ميمون بن يامين ، وانه الذى آمن واختفى ومدحوه ، ولما أظهر اسلامه كذبوه وبهتوه ، ومن كذبهم ما قالوا من أنه صلى الله عليه وسلم أنه صحبه عبد الله بن سلام فى تجارة خديجة ، فعلمه الشرائع وأخبار الأمم ، وألف له القرآن ، ونسبوا القرآن المعجز الى عبد الله بن سلام ، وقيل : الشاهد موسى عليه السلام ، فقيل : شهد موسى على التوراة ، وهى مثل القرآن ، وشهد محمد على القرآن ، وكل يصدق الآخر ، فآمن من آمن بموسى والتوراة ، وكفرتم يا معشر العرب بمحمد والقرآن ، وذلك قول مسروق ، قال : والله ما نزلت فى عبد الله بل سلام ، لأنها مكية ، وعبد الله بن سلام أسلم بعد الهجرة ، وأقول : الشاهد فى الآية على عمومه أى شاهد كان .
﴿ إنَّ الله لا يهدى القَوم الظالمين ﴾ تعليل للاستكبار ، وايذان بأن سبب كفرهم به هو ظلمهم ، وهذا على أن ظلمهم غير ذلك الكفر .