سورة الأحقاف
الجزء الأحقاف · صفحة ٠﴿ ولقَد مكناهم ﴾ أثبتناهم اثباتا شديدا ﴿ فيما ﴾ فى الأموال وقوات الأبدان وطولها وعرضها ، وطول الأعمار التى ﴿ إن كناكم فيه ﴾ لم نمكنكم فيه يا معشر قريش ، فما اسم موصول ، وان حرف نفى ، ولم لا تدخل على الماضى ، ولا النافية ، لا تدخل فى الاخبار على الماضى بلا تكرير ، ولو نفى بما لثقل اللفظ بتكرر لفظ ما ، وقد كان أصل مهما ما ، ما أبدلت ألف ما الأولى هاء دفعا للتكرير ، وذلك لكونه أبلغ فى التوبيخ والث على الاعتبار .
ودلالة مواضع من القرآن عليه كقوله تعالى : ﴿ مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم ﴾ أولى من جعل أن شرطية محذوفة الجواب ، تقديره طغيتم أو زدتم طغيانا ، وأجيز كون أن صلة ، وفيه بُعد لأن قريشا لم يمكنوا تمكين عاد لا قوة ولا عددا ولا مالا ، ولو قدر مضاف ، أى فى مثل ما مكناكم فيه لانتفاء المقاربة ، اللهم الا أن يريد المماثل فى جنس القوة والعدد والمال ، ولو تفاوت ذلك جدا ، وفى الأول السلامة من الحذف والزيادة ، وفي الموافقة للآى الأخر ، فهو أولى وأصح .
﴿ وجَعَلنا لهم سَمْعاً ﴾ أفرده لأنه مصدر صالح للقليل والكثير ، ولاتحاد المسموع من الرسل وهو التوحيد وتوابعه ، وما لا يختلف فى الأمم ، ولاتحاد مدرك السمع وهو الأصوات ﴿ وأبْصاراً ﴾ عيونا ﴿ وأفئدة ﴾ ليستعملوا ذلك فيما خلق لأجله من الادراك والاعتبار والتفكر والاستدلال علىلله تعالى ، وشكر نعمه .
﴿ فما ﴾ نافية ﴿ أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ﴾ من الرسل ونوابهم ، إذ لم يؤمنوا بما سمعوا من وجوب وتحريم وغيرهما ، ووعظ فلم يعملوا ، ومثلهم من آمن ولم يعمل ﴿ ولا أبصارهم ﴾ اذ لم يتأثروا بعنوان الأشياء التى أبصروها ﴿ ولا أفئدتُهُم ﴾ إذ لم يؤمنوا ، بها ، ولم يستعلموها بالفكر ، ولم يقل فما أغنت من شىء بضمير مفرد مؤنث بتأويل الجماعة عائدا الى السمع والأبصار والافئدة ، لتأكيد الأمر ﴿ مِن شىء ﴾ من صلة للتأكيد وشىء مفعول مطلق ، أى شيئا من الاغناء كأنه قيل اغناء ما ، واجيز أن يكون غير صلة ، بل تبعيضية أى بعض اغناء ، وأن تكون ما استفهامية انكارية ، والاستفهام كالنفى تجوز زيادة من بعده ﴿ إذْ ﴾ متعلق بما النافية تعليل للنفى المستفاد منها ، واذا التعليلية حرف تعليل عند بعض ، والواضح أنها ظرف ، والعليل مستفاد بما بعدها ، كتعليق الحكم بالمشتق المؤذن بالعلية ، وكتعليقه بالصلة نحو : أكرم من يأتيك أى لا تيانه ، وأكرم زيدا اذا جاءك أى لمجيئه .
فهنا انتفى الاغناء عنهم وقت جحودهم أى للجحود الواقع فى الوقت ، وعلى هذا فليست اذ موضوعة للتعليل ، وهى على حقيقتها لا مجاز ولا كناية ، كما قيل بهما ﴿ كانُوا يَجحدون بآيات الله ﴾ الباء صلة فى مفعول يجحد من قوله تعالى : ﴿ يجحدون ﴾ أو غير صلة على تضمين يجحد معنى يكفر ، والمراد الآيات المتلوة وجحودها نفى أن تكون من الله عز وجل ، ويبعد أن يراد الآيات التكوينية من سائر العالم بمعنى جحود أن تكون أدلة عليه تعالى ، أو مع المتلوة ﴿ وحاق بِهِم ما كانُوا به يستهزئون ﴾ العقاب الذى استحقوه باستهزائهم واستعجالهم به فى قولهم : ﴿ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ﴾