سورة الفتح
الجزء الفتح · صفحة ٠﴿ سَيقُول لك المخلَّفون ﴾ الذين تركتموهم خلفكم ، ولم يخرجوا معكم الى مكة عام الحديبية معتمرين ﴿ مِن الأعراب ﴾ عرب البدو لا واحد له من لفظه الا بالنسب ، تقول : جاء أعرابى ، وقل مفرده عرب على العموم ، ثم خص بأهل البدو ومنهم ، والمخلفون منهم : جهينة ، ومزينة ، وغفار ، وأشجع ، والصمايل ، أو سلم ، وديل ، ونخع ، طلبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا معه للعمرة حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب ، أو يصدون عن البيت ، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم ، وساق معه الهدى ، ليعلم أنه ما أراد حربا ، فامتنعوا لما رأوا أنه استقبل صلى الله عليه وسلم عددا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والأحابيش ، وهم القبائل المجاورون حول مكة ، وقالوا : كيف نذهب الى قوم عزوه فى داره وقتلوا أصحابه؟ وقالوا ولم يتمكن الايمان فى قلوبهم : لن يرج محمد وأصحابه من هذه السفرة ، فأوحى الله تعلى اليه بما قالوا ، فأخبرهم بما قالوا قبل أن يصل اليه رسولهم به ، وباعتذارهم المذكور فى قوله تعالى : ﴿ شَغَلتْنا ﴾ عن السفر معك الى مكة للعمرة ﴿ أموالنا وأهْلونا ﴾ اذ لا حافظ لها بعدنا ، وأخروا ذكر الأهل للترقى ، بأن يذكروا شيئا فشيئا فيختموا بما يكون حجة لا ترد ، وان رد ما قبلها لا للاهانة ، لأن المحافظة على النسوة والمماليك والأولاد أهم عند ذوى الغيرة ، من المحافظة على الأموال ، وذلك مطبوع فى القلوب .
﴿ فاسْتَغْفر لنا ﴾ ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك ، فانه لم يكن لتكاسل أو لحب خذلان لك ، بل لذلك الشغل ، وقوله تعالى : ﴿ يقُولُون بألْسِنَتهم ما لَيسَ فى قلوبهم ﴾ مستأنف لتكذيبهم إذ قالوا : تخلفنا لذلك الشغل ، وفى قلوبهم أنهم تخلفوا لخذلانه ، ولخوف أن يقتلوا وبخلا بمئونة السفر ومشقته ، وإذ طلبوا الاستغفار طلب المعترف بالذنب ، وفى قلوبهم أنهم لم يذنبوا فى تخلفهم ، وأطلت الكلام على الكذب عند النظام وغيره فى موضع آخر .
﴿ قُل ﴾ رداً عليهم ﴿ فمن يمْلكُ ﴾ عاطفة فى الأصل على كلامهم ، وأما فى الحال فمما نصب بالقول ، كأنه قيل اعطف على كلامهم بقولك ، فمن يملك أو فى جواب شرط محذوف ، والكل وما بعده منصوب بقول ، أى قل ان كان ذلك فمن يملك الخ ، والملك التغلب على الشىء بقوة وضبط ، قال شيخ من العرب : أصبحت لا أملك رأس البعير ، ان نفر ، أويقال : ملكت العجين اذا شددت عجنه ، فمعنى الآية من يستطيع لكم امساك شىء من قدرة الله تعالى ان أراده بكم ﴿ لَكُم ﴾ هذه اللام صلة للفعل قبلها وهى للتمليك والنفع ، والقول بأنها للبيان ، أى أعنى لكم تخليط وزيادة معنى غير مراد ﴿ مِن الله ﴾ من للابتداء متعلق بيملك كما تعلقت به اللام ، أو بمحذوف حال من قوله : ﴿ شيئا ﴾ نفعا ، أو دفع ضر ، ودفع الضر نفع فصح أن اللازم للتملك والنفع ، ولا ينافى هذا النفع عموم قوله : ﴿ شيئا ﴾ للضر لما عملت أن دفعه بقوله :
﴿ إن أراد بكُم ضرا ﴾ ايقاع الضر ﴿ أو أراد بكُم نفْعاً ﴾ ايقاع النفع ، والضر والنفع باقيان على المعنى المصدرى ، ويجوز تفسرهما بمعنى الوصف أى الأمر الضار أو النافع ، كأنه قيل : ما يضر وما ينفع ، وقدر بعض من يملك لكم شيئا ان أراد بكم ضرا أو من يحرمكم النفع ، ان أرا بكم نفعا ، وهذا تفسير ليملك بدفع المضرة هنا ، كقوله تعالى :
﴿ فمن يملك من الله شيئا ان أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ﴾ الخ ، وقوله : ﴿ فمن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ﴾ وأنت خبير أن دفع الضر نفع ، ولا نسلم أن قولهم ملك له كذا مختص بدفع الضر ، ومثل ذلك قوله تعالى : ﴿ قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا وأراد بكم رحمة ﴾ والمراد عموم كل نفع ، وكل ضر لا خصوص اضاعة الأهل والمال وحفظهما ، كما زعم بعض ، لأن العموم يفيدهما وزيادة ، ولا دليل لذلك الزعم فى تهديدهم بقوله : ﴿ بلْ كانَ اللَّهُ بما تَعْملون ﴾ من الخذلان وسائر المعاصى ﴿ خَبيراً ﴾ فيجازيكم عليه ، والاضراب ببل انتقالى ، وكذا فى قوله :
﴿ بلْ ظنَنْتم أن لن ينْقَلب ﴾ يرجع ﴿ الرسُول ﴾ الخ والاضرابتان مقصودتان كل واحدة عما قبلها ، قيل : وفى الأخير بدل من قوله : ﴿ بل كان الله ﴾ الخ وتفسير لا فيه من الابهام ، وان شئت فاضرابات ثلاثة ، والثلاثة : ﴿ وزينا ذلك ﴾ او الثالثة ﴿ ظننتم ظن السوء ﴾ على ان المراد ظنهم السوء عموما لا خصوص ظن أن لن ينقلب الرسول ، وقيل : هو بيان للعلة فى تخلفهم ، والمعنى أن اعتذاركم بالأموال والأهلين كذب ، ليس ذلك مرادا ، بل خفتم أن يقتل النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فتقتلوا معهم ، كما قال : ﴿ أن لن ينقلب الرسول ﴾ ﴿ والمؤمنون الى أهليهم ﴾ عشائرهم وقربائهم ، ومن جاورهم ﴿ أبداً ﴾ بان يقتلهم المشركون ، أو يقتلوا ويأسروا بعضا ، وقالوا : محمد ومن معه أكملة رأس بفتح الهمزة والكاف ، أى عدد قليل كمقدار عدد يشبعهم رأس ناقة أو بعير بالنظر الى من فى مكة وحولها ، أو بضم فاسكان ، أى كرأس مأكول ، وجمع أهل جمع السلامة لمذكر فصيح استعمالا ، شاذ قياسا ، لأنه ليس عملا ولا وصفا ، ولا يخرجه عن الشذوذ تأويل بالوصف ، وأبدا تأكيد لمعنى لمن ، وهو التأييد فى النفى على أن لن للتأييد .
﴿ وزيِّن ذلك ﴾ زين الشطان أو الله بخذلانه ﴿ فى قُلوبكُم ﴾ ذلك الظن المدلول عليه بظننتم ، أو ذلك المظنون الذى هو النتفاء انقلاب الرسول والمؤمنين الى أهليهم أبدا ، والأول أنسب بقوله : ﴿ وظنَنْتم ظنَّ السَّوءِ ﴾ أى استمررتم عليه فاشتغلتم بأموالكم وأهليكم ، ولم تبالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وانما اولت الظن بالاستمرار لئلا يتكرر مع ما قبله ، أو كرر للتأكيد ، أو ليجمعه تأكيدا مع ما بعده من كونهم قوما بورا ، كقولك : قبح الله عمرا يزنى يزنى ويسرق بذكر يزنى مرة ثانية ليكون كقولك تصريحا قبحه الله ، يزنى ويجمع مع الزانى السرقة ، وأل فى ذلك كله للعهد فى ظن انتفاء انقلاب الرسول والمؤمنين ، وان جعلناها للجنس كان الظن مع السوء تعمما بعد تخصيص بأن يراد ذلك الظن ، وسائر ظنونهم الفاسدة .
﴿ وكُنْتم ﴾ فى أحوالكم ، أو فى علم الله ، أو فى اللوح المحفوظ ، أو صرتم ﴿ قَوماً بُوراً ﴾ هالكين لفساد اعتقادكم ، أو فاسدين فى أنفسكم وقلوبكم واعتقادكم ، وأصله مصدر ضمن معنى الوصف وهو بائر ، وأجيز أنه جمع بائر لأن فاعلا قد يجمع على فعل بضم فاسكان كحائل وحول ، وعائذ وعوذ ، وبازل وبزل .