تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الفتح

الجزء الفتح · صفحة ٠
[سورة الفتح — آية 16]

﴿ قُل للمُخلَّفين من الأعراب ﴾ لم يضمر لهم لصفهم بوصف قبيح وهو التخلف ﴿ سَتُدعُون ﴾ يدعوكم الله عز وجل على لسان رسوله ، أو يدعوكم رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ الى قَومٍ ﴾ الى قتال قوم ﴿ أولى بأس شَديدٍ ﴾ هم الروم الذين خرج اليهم صلى الله عليه وسلم عام تبوك ، والذين بعث اليهم فى غزوة مؤتة عند كعب الأحبار ، وفارس والروم عند الحسن ، كما رواه سعيد بن منصور ، وقيل : سيدعوكم الصديق الى قتال بنى حنيفة ، وهم مسيلمة الكذاب وقومه أهل اليمامة ، وهو مشهور ، وعليه جماعة منهم الزهرى ، كما أخرجه الطبرانى ، وروى عنه وعن الكلبى بنو حنيفة وهل الردة .

قال رافع بن خديج كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ، ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضى الله عنه ، الى قتال بنى حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا بها ، وقيل : يدعوكم عمر الى قوم هم فارس ، وقيل : دعاهم الى فارس والروم ، وفى ذلك دليل على صحة خلافتهما ، لأن الله تعالى وعد على طاعتهما الجنة ، وعلى مخالفتهما النار ، وانما دعاهم أبو بكر وعمر مع قوله تعالى : ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ وقوله عز وجل : ﴿ لن تخرجوا معى أبدا ﴾ لأن المراد مادمتم كفاراً ، وما دعاهم أبو بكر وعمر إلا بعد إسلامهم ، وتركهم النفاق ، وأجمعوا أنه من أسلم وجب عليه الجهاد ، ووجب دعاؤه اليه ، ولا يمنع منه ، والخطاب للمخلفين من الأعراب الذين دعاهم صلى الله عليه وسلم للخروج الى مكة ، وهم : جهينة ، ومزينة ، كما روى ابن جريج كذا فى جميع الأقوال الخطاب للمخلفين بنص الآية ، وكذا قال ابن عباس كما رواه الطبرى والبيهقى ، وكذا قال عطاء بن أبى رباح ، وعطاء الخراسانى ، وابن أبى ليلى ، وهو رواية عن مجاهد .

وقال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة : هم هوازن ، ومن حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حنين ، وعن قتادة : هوازن وثقيف وروى ابن مردويه عن ابن عباس : هوازن وبنو حنيفة ، وروى الطبرانى ، عن مجاهد أنهم أعراب فارس والأكراد ، وفى هذه الأقوال الدعاء بعد النبى صلى الله عليه وسلم .

ويجوز أن تكون هذه الروايات تمثيلات والأكراد معروفون بالشدة ، والمشهور أنهم عجم ، وقيل : عرب ، وقيل منهم عجم وعرب ، وذكر أبو عمرو بن عبد البر أنهم من نسل عمر ومزيقيا بن عامر ، وعامر هذا هو الملقب ماء السماء ، وأنهم وقعوا الى أرض العجم ، فتناسلوا وجدهم من العرب ، قال شاعر :

لعمرك ما الأكراد أبناء فارس … ولكنه كرد بن عمرو بن عامر

﴿ تقاتلونهم ﴾ إن أصروا ﴿ أو يُسْلمون ﴾ فلا تقاتلونهم لا ثالث ، أما القتال وإما الاسلام ، وأو للتنويع والحصر كما يدل له قراءة أبى وزيد بن على بحذف نون يسلمون على أن أو بمعنى الا أو الى كقوله :

كسرت كعوبها أو تستقيما … والجملة مستأنفة ، وهى مفسرة للدعاء إلى القوم ، والحصر المذكور ينافى فى رواية تفسير القوم بالروح ، وهم نصارى ، أو فارس وهم مجوس ، أو صابئون ، والنصارى الصابئون والمجوس تقبل منهم الجزية ، وقال أبو حنيفة لا تقبل عن الصابئين أيضا .

﴿ فان تُطيعُوا ﴾ داعيكم الى قتال القوم ﴿ يؤتِكُم الله أجْراً حسناً ﴾ هو الجنة فى الآخرة ، ولا غنيمة لكم ، وقيل : الجنة والغنيمة وهو أولى فيما قيل ﴿ وان تَتَولَّوا ﴾ عن قتال القوم ﴿ كَما تَولَّيْتم من قَبْل ﴾ فى الحديبية ﴿ يُعذِّبكُم عذاباً أليماً ﴾ لمزيد تول بعد تول ، وذلك فى الآخرة ، وقيل : فيها وفى لدنيا ، وهو أولى فيما قيل ، والمتبادر فى الموضعين عذاب الآخرة ، ولما أكد عليهم فى القتال استثنى من لا يجب عليه الخروج من الوجوب ، وان خرج بلا القاء لنفسه فى الهلاك أثيب كما قال .

٤٬٥٩٩ / ٦٬٢٣٦