تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الفتح

الجزء الفتح · صفحة ٠
[سورة الفتح — آية 24]

﴿ وهُو الذى كفَّ أيديهُم عَنْكم ﴾ أيدى أهل مكة عنكم ، وهو شامل للأحابيش أو أيدى الناس المذكورين فى الآية قبل ، على أنهم أهل مكة ﴿ وأيْديكُم عَنْهم ﴾ عطف معمولين على معمولى عامل واحد ، وكأنه قيل : وكف أيديكم عنهم ، وفى التعبير بكف التلويح بأنه رد بعضا عن بعض بأمر لطيف ، ولو قال منع لكان ظاهرا فى الرد بأمر شديد ، كقتل فى جانب ، ونحو صاعقة فى جانب ، أو قتل فيهما ، أو التلويح بأنه رد بعضاً عن بعض بعد شروع فى قتال ، والله أعلم .

﴿ ببطْن مكَّة ﴾ هو الحديبية ، كما روى الطبرى عن قتادة ، وذلك مبالغة فى قربها الى بطن مكة ، كأنها بطن مكة ، كزيد أسد ، ولا سيما أنه قال بعض : ان بعضها من الحرم ، وفى ذلك تأكيد لقوله صلى الله عليه وسلم : « صلح الحديبية فتح » ورد على من قال من الصحابة : أى فتح وقد صدُّونا أيضا حلقوا فطارت شعورهم بالريح حتى وقعت فى الحرم .

﴿ مِن بَعْد أنْ أظْفَركم ﴾ صيركم ظافرين ﴿ عَليْهم ﴾ عدى الاظفار بعلى لتضمنه الاعلاء ، والاظفار تخويف أهل مكة من المسلمين حتى طلبوا الصلح منهم بأن قالوا : ارجعوا الآن وأتوا من قابل ، وأيضا روى أحمد وأبو داود ، والترمذى ومسلم وغيرهم ، عن أنس : أنه قبض صلى الله عليه وسلم على ثمانين رجو رجاءوا من التنعيم ليغدروه ، فعفا عنهم ، وذلك كف للأيدى بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم ، لم يقتلوه ولم يقتلهم بعد الاظفار علهم ، وأن الآية فيهم ، وأيضا قال عبد لله بن فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله سمعهم ، وروى أبصارهم ، فأخذناهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : « هل جئتم فى عهد أحد أو أخذتم أمانا من أحد؟ » قالوا : لا ، فخلاهم ، وفيهم نزلت رواه الحاكم والنسائى وغيرهم .

وأيضا قال سلمة بن الأكوع : لما اصطلحنا ، اختلط المشركون بنا ، واضطجعت فى ظل شجرة ، وجاء مشركون أربعة يشتمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتحولت الى أخرى لبغضى لهم على ما سمعت منهم ، ونادى منادٍ : ما للمهاجرين قيل ابن زنيم ، فأخذت سلاح الأربعة ، وقد علقوها على الشجرة الأولى ، واضطجعوا ، وسللت سيفى فقلت : والذى كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لئن رفع أحدكم رأسه لأقتلنَّه ، فسقتهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاء عمى عامر بمشرك يسمى مكرزا ، فنظر اليهم فقال : « أطلقوهم يكونوا عليهم بدء الفجور » وفيهم نزلت الآية رواه أحمد وغيره ، وأخرج الطبرى عن ابن أبزى : لما انتهى الى ذى الحليفة صلى الله عليه وسلم ، قال عمى : يا رسول الله تدخل على قوم لك حرب بلا سلاح ولا كراع ، فبعث الى المدنية فما بقى فيها سلاح ولا كراع الا جىء به اليه ، وقيل هذا الفتح يوم فتح مكة ، والصحيح الأول .

﴿ وكان الله بمَا تعْمَلون ﴾ كله ومنه العفو بعد الظفر ﴿ بصيراً ﴾ فجازيكم .

٤٬٦٠٧ / ٦٬٢٣٦