سورة الفتح
الجزء الفتح · صفحة ٠﴿ هُم الَّذين كَفَروا ﴾ مستأنف للذم ﴿ وصدُّوركم عَن المسْجد الحرام ﴾ أن تصلوا اليه وتطوفوا به ﴿ والهَدىَ ﴾ عطف على الكاف ، أى وصدوا الهَدى ، وهو ما يهدى الى البيت ليخر فى منى ، وهو هنا سبعون بدنة على المشهور ، وقيل مائة ﴿ معْكُوفاً ﴾ حال من الهَدى أى محبوسا للنحر ، وعكف متعد كما رأيت فى الآية ، يقال : عكفت الرجل حبسته ، كما قال ابن سيدة والأزهرى ، ومنعه الفارسى ، وعليه فالأصل معكوفا به ، فكان الحذف والايصال .
﴿ أنْ يبلغ مَحِلَّه ﴾ فى تأويل مصدر بدل اشتمال من الهدى ، أو بتقدير عن متعلقة بمعكوفا ، وعاكف الهدى المشركون ، أو تعليل متعلق بمعكوفا أى معكوفا ليبلغ محله وعاكفه المسلمون ، ويترجح هذا ، أو تقدير عن ، ووجه كونه حالا بمعنى أن المشركين عكفوه أنه حال مقدرة فى قول من أجاز تقديرها من غير فاعل ناصبها ، لأنه حال القرب جدا اقترانا ، ومحل الهدى منى ، أو موضع سقوطه على الأرض بالذكاة ، وهو منى أيضا ، وقال الشافعى : محله اذا منع هو الموضع الذى وصله ، وقال أبو حنيفة : محله الحرم وبعض الحديبية حرم عنده ، ومحط رسول الله صلى الله عليه وسلم لحل من الحديبية ، ومصلاه الحرم ، ونحر هديه فى الحرم فهديه صلى الله عليه وسلم بلغ محله ، والظاهر أنه معكوف عن محله المعهود وهو منى ، والصحيح وعليه الجمهور أنه لا شىء من الحديبية من الحرم ، وكلها حل ، والحرم محدود بحدود معروفة .
﴿ ولَولا رجالٌ مؤمنُون ونساءٌ مؤمناتٌ ﴾ مستورون فى المشركين قال أبو جمعة جندب سبع : هم سبعة رجال وأنا منهم وأمرأتان ، رواه أوب نعيم ، ففيه اطلاق نساء على امرأتين ، وهو جائز كما يطلق الجمع على اثنين مجازا على الصحيح ، وقيل حقيقة ﴿ لم تعْلمُوهم ﴾ ثم علموهم بالوحى ، والجملة نعت رجال ونساء ، وغلب ضمير الذكور ﴿ أنْ تَطئُوهُم ﴾ تمشوا عليهم بأرجلكم ، وهو استعارة للاهلاك كقوله صلى الله عليه وسلم : « اللهم اشد وطأتك على مضر فانهم آذوا رسولك وكفروا بدينك » أى اهلاكك ، والمصدر بدل اشتمال من رجال ونساء ، على حذف مضاف ، أى كراهة أن تطئوهم ، وجوب لولا يقدر بعد قوله : ﴿ بغير علم ﴾ هكذا لمَّا كف أيديكم عنهم ، أو لعجل ما يستحقون .
﴿ فتُصيبُكم منْهُم ﴾ من جهتك بوطئتكم اياهم ، أو يقدر مضاف أى فتصيبكم من وطئتهم ﴿ معرَّةٌ ﴾ عيب أو مكروه ومشقة ، وأصله قيل : العر والعرة وهو الجرب الشديد اللازم ، والمراد قيل تغيير الكفار للمؤمنين بأنهم يقتلون أهل دينهم ، أو لمعرة التأسف عليهم وقيل : الاثم تقتلهم ، وقيل : الدية ، وهما تفسيران بالمعنى لا بالغة ، وأيضاً نقول : لا اثم فى قتل مسلم مستور بين أهل الحرب أسلم من قبل ، أو أسلم فى الحرب ، أو على القاتل الدية أو العاقلة أو فى بيت المال ، أو لا دية أيضا كما لا اثم ، وقال الطبرى : المعرة الكفارة وهو قول ، وهو كسائر قتل الخطأ ، وقيل : لا كفارة وبالكفار ، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ، وقال صاحبهما محمد : على قاتله الدية ، وقال الشافعى ، عليه القصاص ، وهو خطأ كيف يكون القصاص على قتل الخطأ ، وفسر بعضهم المعرة تفسير معنى بالدية والكفارة ، وقول المشركين : ان المؤمنين يقتلون أهل دينهم ، ولا اثم ان جرى بعض تقصير .
﴿ بغَيْر عِلمٍ ﴾ متعلق بتطئوا أو تصيب ، أو حال من هاء منهم ، أو حال من الواو ، ولا تكرار لهذا مع قوله : « لم تعلموهم » لأن لم تعلموهم بمعنى لم تميزوهم فتتركوا قتلهم ، ومعنى قوله تعالى : « فتصيبكم منهم معرة بغير علم » أن المعرة اثصيبكم ولم تعلموا بوقوعها ، أو تعلموا بموجبها الذى هو قتل هؤلاء المستورين ، والعلم فى ذلك كله من المسلمين ، ويجوز أن يكون من المشركين ، بمعنى أنهم لا يعلمون أنكم معذورون ، ويجوز أن يكون المعنى ، ان الله سبحانه مَنَّ على المشريكن فكف أيديكم عنهم بسبب من تستر فيهم من المؤمنين .
﴿ ليُدخل الله فى رحمتِه مَن يَشاءُ ﴾ متعلق بكف محذوفا دل عليه الجواب ، أى ولولا رجال الخ لما كف أيديكم عن المشركين ، لكن كفها ليدخل بذلك الكف المؤدى الى الفتح بلا محذور فى رحمته الواسعة من يشاء ، وهم اما هؤلاء المستورون يظهرون ويعبدون الله جهرا ، ويزدادون طاعة ، ولا يبقون فى الضيق بأيدى المشركين فيرتدن واما بعض المشركين يؤمنون بعد الفتح ، وفى الحديبية بعد الصلح اذ اختلطوا بالمؤمنين فقد يعجبهم ما يرون من المؤمنين ، واما كل ذلك ﴿ لو تزيَّلُوا ﴾ لو تميز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات المستورون عن المشركين ﴿ لعذبْنا الَّذين كَفروا ﴾ بتسليطكم عليهم ، وهذا جواب لو ، ويجوز أن يكون لو يتزلوا بدل لولا رجال الخ ، ولعذبنا جواب لولا ﴿ منْهُم ﴾ من جملة المختلطين الذين هم المؤمنون المستورون والكفار ومن للتبعيض ﴿ عَذاباً أليماً ﴾ أسرا أو قتلا أو سببا .