تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة آل عمران

الجزء آل عمران · صفحة ٠
[سورة آل عمران — آية 196]

﴿ رَبَّنَا ﴾ متعلق بتوفنا ﴿ وَءَاتِنَا ﴾ عطف على توفنا ﴿ مَا وَعَدتَّنَا ﴾ من الرحمة والفضل والثواب ﴿ عَلَى رُسُلِكَ ﴾ على ألسنة رسلك ، أو على تصديق رسلك والاقتداء بهم ، أو منزلا على رسلك ، وذلك هو الجنة ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ سألوا الموعدو لأنهم يدرون بِمَ يختم لهم ، بل لو كانوا على يقين من السعادة ، يكون الدعاء تعبداً أو تضرعاً واستزادة من الفضل ، ولا سيما مالا يدرى وقته كالنصر ، ففيه ذلك مع الاستعجال ، وقد يحسب الإنسان أنه يحسن صنعا وبيدو له عند موته أو فى القيامة ما ليس فى فى حسابه ، فسألوا أن لا يخزيهم أى لا يفضحهم الله تعالى ، أى أن يوفقهم ويبقيهم على الخير ظاهراً وباطناً ، فذلك حكمة الدعاء بنفى الخزى بعد قوله وآتنا ما وعدتنا ، فإن المثاب لا عقاب عليه ، فالمدعو به أولا الثواب ، وثانياً العصمة مما يحبط العمل ، وأيضاً الخزى عذاب للروح ، ولا عذاب ولا خزى بعد إيتاء ما وعدوا ، بل مما وعدوا عدم الخزى ، وذلك تلهف منهم وشدة حرص ، كما أنه يجوز أن يراد بالخزى إدخال النار مع أمتهم منها بإيتاء ما وعدوا تلهفاً كذلك ، وإنما دعوا مع علمهم بالسعادة تعبدا أو تذللا وخضوعا ، كقوله تعالى : ﴿ رب احكم بالحق ﴾ أو لأن الوعد لهم على الأعمال ، فهم يطلبون التوفيق إليها ، أو لأن الموعود النصر ، ولا يدرون وقته ، فهم يدعون باستعجاله ﴿ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعَادَ ﴾ الوعد بالبعث ، وإثابة المؤمن ، وإجابة الداعى ، وفسره ابن عباس بالعبث ، أى ليجزوا خيراً ، وأصله مطلق الوعد ، والمراد هنا الخير ، ولا مانع من العموم فى الخير والشر ، والذى لهم هو الخير ، وهو مصدر ميمى غير مقيس ، والياء عن واو للكسر قبلها ، قال جعفر الصادق : من حزبَه أمر ، أى كَرَبَه ، فقال خمس مرات ، ربنا أنجاه الله قياماً وقعوداً ، إلى قوله : إنك لا تخلف الميعاد . وعن الحسن : ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم كما قال الله جل وعلا ، وقال موسى : يا رب مرة ، فأجابه الله ، ليك ، فعجب فقال : يا رب إلىَّ هذا خاصة؟ قال : لكل من يدعونى بالربوبية ، قال عطاء والحسن : ما من أخد يقول ثلاثاً يا رب إلا نظر الله إليه ، ونزل فيهم وفى قوله أم سلمة ، وهو كالدعاء يا رسول الله ، ذكر الله الرجال دون النساء قوله :

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ ﴾ دعاءهم ﴿ رَبُّهُمْ ﴾ أعطاهم مطلوبهم ، وإما أجاب فقد يكون كذلك ، وقد يكون بمعنى إعطاءالجواب ، كقولك : قد سمعت كلامك ، أو سأنظر ، أو لا أفعل ما تطلب ، فهو أعم من الاستجابة ﴿ إنِّى ﴾ بأبى ، بباء التصوير ، أو التعدية ، أو السببية أى بسب استمرار صلتى على عدم تضييع الأعمال إلا لمن ضيعها بنفسه كما قال ﴿ لآَ أُضَيِعُ عَمَلَ عَأمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْْ أُنثَى ﴾ متعلق باستجاب ، أو بحال محذوف من اسم الله ، أو من الهاء ، أى مخاطباً لهم بأنى بكسر الطاء أو مخاطبين بفتحها بأنى ، ذكر الغالب أو أدخل الخنثى فى أحدهما على أنه عند الله أحدهما لا قسم ثالث ﴿ بَعْضُكُم مِّن بَعْضِ ﴾ الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ، أو كبعض ، فأنتم سواء فى الجزاء بالأعمال وترك إضاعتها فإن كون كل من الآخر لتشعهما من أصل واحد ، ولفرط الاتصال بينهما ، ولانفاقهما فى الدين والعمل يستدعى الشركة والاتحاد فى الجزاء وترك الإضاعة ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ ما كانوا فيه ، بلد ، وشرك وأحباء ، وأقارب ، وأصهار لوجه الله إلى المدينة ، دار السلام ، وأهله ، وإلى الحبشة ، وأصل الهجرة الترك والإعراض ﴿ وَأُخْرِجُ ا مِن دِيَارِهِمْ ﴾ بالتضييق عليهم ، لا قهراً على الخروج ، وهذا أولى من كونه تفسيراً لهاجروا ﴿ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى ﴾ راجع إلى أوذوا ، وإلى إخواجا استعارة أصلية ، واشتق منه أخرج على التبعية ﴿ وَقَاتِلُوا ﴾ من كفر بالله ﴿ وَقُتِلُوا ﴾ فى سبيل الله ، وقدم الأول لا للترقى ، لأن القتال قبل المقتولية ، ولأن كونك قاتلا لكافر أفضل من كونك مقتوله ، وقد قتل صلى الله عليه وسلم رجلا كافراً ولم يقتل ، والكلام على التوزيع ، لأن منهم من قاتل ولم يقتله المشركون ، ومنهم من أخرج ولم يقاتل ، ومنهم من هاجر ولم يقاتل ، ومنهم من قاتل ولم يهاجر ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ ﴾ لا أعاقبهم عليها ، فلا يرى لها أثر عقاب ، فذلك تكفيرها ، أى سترها ، أو لأمحونها من اللوح المحفوظ ، ومن صحتهم ، ومن حفظ الملائكة ، ودواوينهم ، ويكتب بدلها حسنات ، والصغائر تنقر باجتناب الكبائر لقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون .

. الخ ، وبه قالت المعتزلة ، وقيل بالقربات كما فى نحو حديث من الوضوء إلى الوضوء ومن الصلاة إلى الصلاة ، إلى أن قال لمن اجتنب الكبائر ، وبه قال قومنا ، ومن ذلك حديث صوم عرفة كفارة سنتين ولا تكفر الكبيرة بالفربات ، لأن الكبيرة لو كفرت بالقربات لم تكن التوبة واجبة ، وقد قال الله تعالى : وتوبوا إلى الخ وأُجيب عن قوله تعالى : إن الحسنات الخ ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « أتبع السيئة الحسنة تمحها » ، بأن الحسنات ، والحسنة التوبة ، ويجمع بأن بعض الصغائر يكفر باقربات وبعضها بمجرد اجتناب الكبائر أو بتكرر التكفير عليهن مبالغة باجتناب الكبائر وبالقربات ، أو يجعل الزائد حسنات له ، وأقول السيئات هنا يعم الكبائر والصغائر ، ذكر الله عز وجل أنه لا يعذبهم بذنوبهم لأنهم تابوا ، وقُبلة الأجنبية كبيرة مسا ، وكبيرة نظراً ، وغفر الله للصحابى الفاعل لها لتوبته لا لكونها صغيرة ﴿ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً ﴾ اسم مصدر مؤكد للجملة قبله ، وليست نفسه ، أى أثيبهم ثواباً ، أى إثابة ، أو حال كون الجنة ثوابا ، أى مثاباً بها ، أو مفعول مطلق لأدخل ، لأن الإدخال إثابة ، والثواب اسم مصدر بمعنى الإثابة ويضعف جعله حالا من هاء أدخلنهم ، بمعنى قولك حال كونهم ثوابا أى مثابين بها ﴿ مِّنْ عِندِ اللهِ ﴾ أى من عندى ، ومتعلقة أثيب محذوفاً ، وهذا المحذوف نعت ثوابا ، أو متعلقة ثوابا ، أو يتعلق بثابتا نعت لثواب ، أو ذلك من عند الله ، فهو خبر لمحذوف على جهة التعظيم والشرف لقوله ﴿ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ مثل قوله حسن المئاب ، والثواب الجزاء ، أخبرنا الله أن عنده خزائن الجزاء على الطاعات ، وأنه قادر عليه ، وقال عمر بعد بكائه رقة : يا رسول الله أنت رسول الله فى جهد وقد أثر حصير سريرك فى وجهك ، وكسى وقيصر فى رخاء ، وهما كافران ، وقال بعض المسلمين : إن أعداء الله فيما نرى من الرخاء ولين العيش وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزل قوله تعالى :

﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ ﴾ الخطاب لكل من يصلح له ، أوله صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، قال قتادة : ما غر نبى قط حتى قبضه الله ، يقال غره بما يستحسنه فى الظاهر ، ثم يجده عند التفتيش ، أو يظهر بلا تفتيش على خلاف ما يحبه ، والمعنى لا تعتر بتقلب الذين فاعل الغر ، وهو التقلب ، وذلك مجاز أو كناية ، وهما أبلغ من الحقيقة ، ولا شك أن فعل ما يغتر به أحد سبب للاغترار ، والاغترار مسبب ، فالغر فعل الغار ، والاغترار مطاوعة ذلك الفعل ، فكل واحد غير الآخر ، فلا يعترض بأن الغارية والمغرورية متضايقان ، والمتضايقان لا يكون أحدهما سبباً للآخر ، بل فى درجة واحدة ، حتى القطع والانقطاع إذا اعتبرت كسب كل جزء على حدة واعتبرته بتوجيه النفس إلى حصول القطع لم يكونا فى درجة ﴿ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ كاليهود وأهل مكة والنصارى ﴿ فِى البِلاَدِ ﴾ بالتجر والحرث فى سعه وحظ ، والأصل لا يغرنك الذين كفروا بتقلبهم ، فذكر السبب أيضاً مكان المسبب .

٤٨٩ / ٦٬٢٣٦