2 - المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية:
الجزء ١ · صفحة ١٦٢بالإضافة إلى سعة علم الإمام أفلح وتبحره في شتى فنون العلم ، فقد كان أديبا شاعرا ، له قصيدة رائية ، يحث فيها على طلب العلم واكتسابه ، وقد قام الشاعر العماني الشيخ علي بن أحمد (1) بتشطيرها ، يقول في مطلعها (2) :
(1) *- هو الرحالة الشهير الأديب العلامة الشيخ علي بن أحمد العماني ، من علماء إباضية المشرق ، كان معروفا بالترحال ومن رحلاته رحلته بالقارة الإفريقية في أواسط القرن الثالث عشر الهجري ، وزار في تلك الرحلة جبل نفوسة ، ثم توجه إلى السودان وفي طريقه ذلك سُرق منه ديوانه الجامع لأشعاره وقصائده ، وما حرره في رحلته ، فاغتم لذلك غما كبيرا ، وهنالك توفي ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/189 ) .
(2) - أنظر القصيدة مشطرة بتشطير الشيخ علي بن أحمد العماني في : الباروني ، الأزهار ، 2/190- 194 ـ وانظرها بدون تشطير في : ابن النظر ، كتاب الدعائم ، ص133- 136 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش ، ويذكر الكعاك أن القصيدة هي من ديوان لأفلح مفقود لم تسلم منه إلا تلك الأبيات : الكعاك ، موجز التاريخ العام ، ص215 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش .
ولقد اعترض الباحث محمد دبوز على قيام الشيخ علي العماني بتشطير قصيدة الإمام أفلح ، وقال كلاما في الحقيقة لا ينبغي أن يأتي من أمثال الأستاذ محمد دبوز ، ولكن لعل له وجهة نظره الخاصة في ذلك ، حيث أنه شَدَّ كثيرا على الشيخ علي العماني بسبب تشطيره قصيدة الإمام أفلح ، فقال : " لقد شطر هذه القصيدة الشيخ علي بن أحمد العماني فأطالها ، وصعب على الناس حفظها ، وأورث السأم بها ، ثم إن أغلب أشطره تكرار لما في الصدر أو العجز ، إن تشطير قصائد الشعراء سيما هذه الآثار التاريخية لا يجوز ، إنه كوصل الشعر بالشعر المستعار لا يحل في الدين ، وإذا كان الشعر الواصل شعر المعزاء لا شعر الحسناء فقد تضاعف سبب النهي ، إن هذا الشيخ الذي زاد في قصيدة الإمام أفلح كمن يعمد إلى وجه الحسناء فيزيد فيه أنفا ثانيا فهل يحسنه يا ناس ؟! " إهـ .
والحقيقة أن هذا كلام غريب من الباحث دبوز ، فالشيخ علي العماني قدم خدمة جليلة للأجيال حيث أنه ساهم في حفظ قصيدة الإمام أفلح عندما شطرها ، حيث أن أبيات الإمام أفلح معروفه والذي زاده الشيخ علي العماني معروف ، فالتشطير لا يؤثر على أصل القصيدة ، بل على العكس من ذلك يحفظها ويزيدها روعة وبهاء ، وهذا ظاهر من خلال تشطير الشيخ علي العماني ، وقوته في الشعر وتمكنه منه ظاهره من خلال ما زاده على الأصل ، مع الحفاظ على الأصل ، وقد أثنى الشيخ الباروني على الشيخ علي العماني وتشطيره لقصيدة الإمام أفلح فقال : " … وقد عني بتشطيرها ذلك الرحالة الشهير الأديب الكامل العلامة المفلق الشيخ علي العماني … وإليك نص المنظومة الرائقة مع تشطيرها البديع رضي الله عن صاحب الأصل ورحم من حاذاه بالمثل … " إهـ ، ثم ذكر القصيدة مع تشطيرها ، وهذه شهادة من الشيخ المجاهد الأديب الباروني للشيخ علي العماني ، والشيخ الباروني أشهر من أن يعرف تبحره في الشعر والأدب وله من غرائر القصائد ما يخلب الألباب ، فانتقاد الباحث دبوز لا وجه له ، بعد شهادة الشيخ الباروني ، ولكن هي وجهة نظر خاصة به علينا احترامها ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/189 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/378 ) .