المقام الثاني: في بيان معنى الإباضية.
الجزء ١ · صفحة ١١٢و كانت بينه و بين ملك الروم أحوال على الصَّرْفِ المتداول في أيدي المسلمين فيه كتابة بلغة الروم في الدنانير، و بلغة الفرس في الدراهم، تتنافى مع الأنظمة الإسلامية، إلا أنَّ العرب لا يعرفون ما تدل عليه حتى لمَّا انكشف لعبد الملك ذلك قام فيها وقعد، و أراد ملك الروم بقائها على أصلها فلم يقبل عبد الملك ذلك، بل أراد إبدالها، أو يقوم هو بوضعها، فكان من ملك الروم لعبد الملك بن مروان ما أخذ من قلبه مأخذه.
و لكن الرجل من أبطال العرب، لم يشعر ملك الروم إلا و الأمر انتهى في صالح عبد الملك بن مروان، فشل ملك الروم حين رأى في العالم الإسلامي كله انتشار النقود التي ضربها عبد الملك بن مروان، و حمله قومه على تنفيذ تهديداته لعبد الملك بن مروان فأجابهم بفوات الإمكان.
و كان أول من سمي بعبد الملك في الإسلام، و أول من ضرب الدنانير و الدراهم في الإسلام، و نقش في أحد جوانبها " لا إله إلا الله "، و بالجانب الآخر " محمد رسول الله "، و نشرها في بلاد الإسلام، و توعَّد من يقبل غيرها من سكك النصارى و اليهود أو غيرهم، فلم يشعر الملك الرومي إلا و هي ملء بلاد الإسلام.
و كانت قبلها الدنانير البَغَّلِية ؛ لأنَّ رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، و كانت كِسْرَوية وضعت عليها صورة كرسي كسرى، و تحت الكرسي نوش خور : أي كُلْ هنيئاً (6).
و كانت له أخبار طويلة عريضة لسنا بصددها الآن، بل أخذنا، أو نأخذ ما يدل على عظمة ملك عبدالملك، الذي ما زال له السلطان القاهر مع غَطْرَسَتِهِ، و لم يكن ابن إباض بالرجل الذي يهاب ذلك في حقِّ الدِّين، الذي فرضه الله على عباده [71] بل كان ابن إباض راداً على عبدالملك، معارضاً له في ما يخالف الحق، ناصحاً له بقلمه، الذي هو أشبه بالصارم المصقول.