المقام الثاني: في بيان معنى الإباضية.
الجزء ١ · صفحة ١١٦و كان عبد الملك يروم اختداع عبدالله بن إباض حيث يتظاهر له بمظهر الطاعة، و هي في الحقيقة من خدائع الملوك للعلماء الذين يراعون فيهم الحياة الدينية، و لذلك قام عبدالملك يلبس لعبدالله بن إباض لباس الضراعة لقصده السياسي فيما هو بصدده، و يستعمل الدهاء في وجه ابن إباض، لعله يَغُرُّهُ بذلك حيث قال له في كتابه المشار إليه كلاما معناه " أرجو نصحك، و أقبل كلامك، و أعمل بنظرك، و لا تألو جهداً في نصحي، و ذكره بالله على ذلك "، وهو خداع و نفاق، حيث أشار إليه بقوله عز و جل : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى " (1)… و الآية الثانية، و هي قوله : " وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ " (2)، و طلب من عبدالله بن إباض إعادة كتابه إليه حتى لا يبقى في يد عبدالله بن إباض فيراه الناس فيقولون فيه أشياء يفهمون (3)، و من دهائه كان عرض لعبدالله بن إباض بما [73] لديه من دنياه، ظناً منه الانقياد لها، و الميل إليها، و الاغترار بِرَيَاشِهَا و زينتها، و كان - رحمه الله و رضي عنه - بعيداً من ذلك.
و سرعان ما أجابه عبدالله بن إباض على كتابه ذلك جواباً شافياً وافياً، فقال كما قال العلامة البرادي حاكياً له (4) :
" بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله بن إباض إلى عبدالملك بن مروان، أما بعد : سلام عليك، فإنِّي أحمد الله إليك، الذي لا إله إلاَّ هو، و أوصيك بتقوى الله، فإنَّ العاقبة للتقوى، و المَرَدُّ إلى الله، و اعلم أنَّه إنَّما يَتَقَبَّلُ الله من المتقين.
و قد جاءني كتابك مع رسولك سِنَان بن عَاصِم، و أنَّك كتبت إليَّ أن أكتب لك- أي تطلب مني أن أكتب لك بكتاب - فكتبته إليك فمنه ما تعرف، و منه ما تُنْكِرُ، و لكن الذي تنكره ليس عند الله بمنكر.