المقام الثاني: في بيان معنى الإباضية.
الجزء ١ · صفحة ١١٧و أمَّا ما ذكرت من عثمان، و ما عرَّضت به من شأن الأمة، فإنَّ الله ليس ينكر عليه أحد شهادته في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد - صلى الله عليه و آله وسلم - أن " مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " (5) و "الفاسقون " (6) و " الكافرون " (7) - و كان أراد بذلك التعريض به، أي أنَّك أنت من هؤلاء- قال " ثمَّ إنِّي لم أكن أذكر لك من شأن عثمان شيئاً إلا -و الله- تعلم أنَّه حَقٌّ، و سأنزع لك على ذلك البينة من كتاب الله، و سأخبرك خبر عثمان الذي طعنا عليه فيه، و أُبيِّن شأنه و أمره.
لقد كان عثمان كما ذكرت من قدمه في الإسلام، و لكنَّ الله لم يجز العباد من الفتنة، و ذلك أنَّ الله بعث محمد - صلى الله عليه و سلم - و أنزل عليه الكتاب و بيَّن له فيه كل أمر، و فصَّل فيه كُلَّ حكم، ليحكم بين الناس فيما [74]اختلفوا فيه، و جعله هدى و رحمة لقوم يؤمنون، فأحلَّ فيه حلالاً، و حرم فيه حراماً، و حكم أحكاماً، و فرض فرائضاً و حدوداً، و قال : " تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُم الظَّالِمُونَ " (8) ثم أمر نبيه بإتباع كتابه، و قال : " وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ " (9) و قال : " فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " (10) فعمل محمد - صلى الله عليه و سلم - بأمر ربه، و معه عثمان، و من شاء الله من أصحابه، لا يرونه يتعدى حداً، و لا يُبَدِّل حكماً، و لا يستحلُّ حراماً، و يُحرِّم حلالاً، و لا يُبدِّل فريضة، و كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يقول : " قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " (11).