المقام الثاني: في بيان معنى الإباضية.
الجزء ١ · صفحة ١٤١و لم يخف عبدالله بن إباض عبدالملك وسلطانه و لا حاباه و لا توقاه، و يدلك على صحة ذلك أنَّه كان لا يخاطبه إلا باسمه، و لا يزيده على عبدالملك، و يقدم اسمه عليه في كتبه عملاً بالسنة، و إتباع نهج أهل الحقِّ من الصحابة و التابعين، و تعززاً بالعلم، و اعتماداً على الحق....
ولما كان عبدالله بن إباض بهذه الحال كانت له شُهرة بين رجال العلم، و قام له صيت شاع في العالم الإسلامي أيده عليه رجال العلم، وصوَّبوه إلا الذين لا يرون إلا طاعة الملوك جاروا أم عدلوا، و هؤلاء هم الذين قام (8) الملوك على هامات الناس حيث أوجبوا طاعتهم، و لم يروا خلافهم في شيء، وتأولوا فيهم الأدلة، و ليست لهم، و رَضوا بهم حكاماً على عباد الله جاروا فيهم أم عدلوا، و لم يرد القرآن و السنة النبوية إلا برد كل باطل من أي كان صغيراً أم كبيراً، ملكاً كان أو مملوكا، لا فرق في ذلك.
أما : " إن عدلوا فاحمدوا الله، و إن جاروا فصبروا " (9) و نحو هذه الأحاديث، فهذا عند العجز عن القيام عليهم، فيجب أولاً النُّصح لهم فإن رجعوا إلى الحق فبها و نعمت، و إلا وجب عزلهم عن الأمر و تولية المحق، و على هذا قاتل المسلمون عثمان بن عفان الخليفة الثالث الذي ثبتت إمامته بإجماع، لما جار ناصحوه أولاًً، ثم قاموا عليه وقتلوه، وكلهم قاتله إلا حاشيته و خدمه و خاصته من أهل المطامع، و كان هذا قانوناً سماوياً وضعه الله في كتابه الذي " لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ " (10) [87] قال الله عز و جل : " قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " (11).