المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٤٧و علماء الإباضية يعتمدون على كتاب الله عز و جل في دينهم، و أحكامهم، و معاملاتهم، و على سنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فإنها شرح وبيان للكتاب، و يُعولون على الله وحده لا على الناس، و لا يهضمون جانب أحد من الناس مع الحق،[92] و الحق مُقدم معهم على غيره (5).
و علماء الإباضية يعتمدون على الله لا على الناس قلوا أم كثروا، انظر بعقلك الصحيح في حياة مالك بن أنس إمام المالكية، هل ترى له انتقاداً على ملك، أو سلطان، أو أمير مع كونهم بغاة عتاة يتبعون الهوى، و يوالون من ضلَّ أو غوى؟؟!.
و كذلك حال الشافعي هل ترى له نقاشا لدى سلطة مهما كان ؟؟!، و كذلك أبي حنيفة، و ابن حنبل ؟؟!، و إن قيل : احتمل حالهم التقية، قلنا: إنَّ فتاويهم بطاعة الملوك جاروا أم عدلوا تمنع ذلك الاحتمال.
وانظر في أحوال الإباضية، و استقرأ تآليفهم تجدهم على أئمتهم الفضلاء الأمجاد، الذين تضيء وجوههم إضاءة الأقمار، يناقشونهم في شعيرة تصدر منهم، أو صغيرة تبدر من بعضهم، انظر قولهم للإمام الجلندى الذي أجمعوا على فضله، و قد قتل ابني عمه حين أوجب الحكم قتلهم، و لما رأى جنائزهم تمر دمعت عينه عليهم، فقاموا له في غضب، قائلين له: " أحمية يا جلندى؟؟!"، قال : " لا، و لكنها الرحم "، أي بكيت عليهم لعل حمية أخذت منك، فإن كانت هي فإنها كبيرة، فقال معتذراً لهم ليس حمية لكن الرحم لها أثر طبيعي، و لعله أسف عليهم إذ كانوا بتلك الحال مؤسفة، فقالوا له إذ ذاك اعتزل أمرنا اختباراً له فاعتزل - رحمه الله -، و صار كواحد منهم يروح ويغدو فيهم، فلما رأوا ذلك منه، رجعوا إليه طالبين عودته للإمامة، فأبى عليهم، و بعد علاج دام ثلاثة أيام، و حكم الشرع عليه بوجوب عودته للإمامة،[93] عاد - رحمه الله و رضي عنه - (6).