المقام الثالث: [اعْرَفِ الرَّجَالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بالرِّجَالِ]
الجزء ١ · صفحة ١٥٤و كذلك التدخين فإنَّه من أخبث الخبائث، و لا شك أنَّه حرام [97] طبعاً و شرعاً، فإنَّ الطب يحكم بتحريمه، لأنَّه مخدرٌ مفترٌ ضارٌ مضرٌ مولد للأمراض السامة في أشياء عديدة، و قد أباحه كثير من أهل الأمراض القلبية الفاسدة، و جعلوه من التحف للضيف، و من أعزَّ ما يقدم له عند حضوره، و قد شهدت النصوص الشرعية بتحريمه قرآناً و سنة، و أيَّد العقل ذلك بما ظهر له في التدخين من مضار.
و قد جاء الشرع لدرء المفاسد و جلب المصالح، و " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام "، فهذا النص يبطل القول بحلية التدخين ؛ لأنَّه يمنع الضرر، و ينفي الضرار، و في الكتاب " وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ " (3)، و هذا من أخبث الخبائث السامة للأجسام، الخبيثة الريح، الكريهة العَرْف (4)، المثيرة للأمراض المتعددة.
و من هذا النوع جملة أشياء أصبحت شعاراً عاماً لا يرون غيره، و منه تغني الأذان في هذا الزمان الذي ضعف فيه الإيمان، فإنه بدلاً أن يكون أذاناً شرعياً بروعته الإسلامية يدوي في القلوب سامعيه، أصبح أشبه بالأغاني الشعرية و الأصوات الترنيمة، و أصبح مؤذنوه يصرون عليه، و لا يرون غيره، و يجعلونه شعاراً لهم، و لا يرضى به عمر بن الخطاب - رحمه الله - ورائي الأذان كعبدالله بن زيد (5) - رحمه الله - و لو سمعهم لوضع الدرة على ظهورهم.
و منها أيضا بناء المنارات على ظهور المساجد بحيث يصبح بناءها يستفرغ كمية كبيرة من الأموال، و ليس هي من لوازم المساجد، و لا من خصال الصلاة، و لا من [98] شروط الآذان في شيء، بل هي إمَّا أن تكون من قبيل المباهاة، و الزخرفة المنهي عنها، أو من قبيل إضاعة المال، و هم يرونها من لوازم المساجد فيبنونها عالية في السماء.